array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 186

قمة جدة والتأسيس لمستقبل عربي جديد

الإثنين، 29 أيار 2023

غير خفي أن المنطقة العربية تشهد ومنذ فترة طويلة العديد من الأزمات المزمنة والمتلاحقة، والتي زادت حدتها بعد أن تعرضت المنطقة لما يسمى بـ (ثورات الربيع العربي) التي ألقت بظلال كثيفة على العديد من الدول العربية، وأحدثت خلخلة وفراغًا أمنيًا وسياسيًا وأزمات اقتصادية ، ما جعل المنطقة ميدانًا للصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية أثرت بشكل مباشر على إذكاء الصراعات المسلحة والحروب الأهلية، وانكفاء الحكومات على مواجهة هذه الصراعات، أو إدارة الأزمات وإهمال التنمية والبناء، وزاد من خطورة هذه الأحداث، الكوارث التي اجتاحت العالم مؤخرًا وأثرت على المنطقة ومن أبرزها جائحة كورونا، وتداعيات الحرب الروسية / الأوكرانية.

وبادرت المملكة العربية السعودية للتعامل مع هذه المخاطر برؤية استباقية تحمل علاجًا لجميع هذه المشاكل، وعملت مع دول مجلس التعاون وشقيقاتها من الدول العربية والمجتمع الدولي على وضع الحلول الواقعية لإنهاء الصراعات المسلحة، وتضميد جراح المنطقة، وتحصين أمنها الجماعي، وإيقاف التدخلات الخارجية في شؤون دول المنطقة، بل تجاوز اهتمام المملكة للشأن الإقليمي من خارج المنطقة العربية لتهيئة منطقة الشرق الأوسط برمتها بمصالحات إقليمية استعدادًا للتعامل مع واقع دولي جديد في ظل الإرهاصات العالمية التي تؤشر لتشكيل نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، حتى لا تكون المنطقة العربية بعيدة عن قلب الأحداث المتوقعة، أو تكون خارج النظام الدولي المزمع تشكيله، وبذلت المملكة جهدًا كبيرًا لإنهاء الصراعات الداخلية وهذا ما تؤكده جهودها لإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية، وما تقوم به من جهود ومبادرات لإيقاف الصراع المسلح في السودان، ومحاولات جادة وصادقة لإعادة الوفاق بين الأطراف المتصارعة في اليمن وليبيا وغير ذلك من البؤر الملتهبة في المنطقة العربية.

وجاءت القمة العربية في دورتها الثانية والثلاثين التي استضافتها مدينة جدة يوم الجمعة التاسع عشر من مايو 2023م، بدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ يحفظه الله ــ وبإدارة فعالة وناجحة من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء ـ يحفظه الله ـ  وما نتج عنها من مقررات وما جاء في إعلان جدة، وما شهدته جلسات القمة، وكذلك اللقاءات الجانبية بين الزعماء العرب، والإجماع  العربي غير المسبوق على جدول الأعمال والبيان الختامي الذي تبنى المصالحة العربية الشاملة والإقليمية، كل ذلك يؤكد نجاح جهود المملكة الرامية إلى تنقية أجواء المنطقة العربية من الصراعات، وإخماد الحرائق المشتعلة في بعض الدول، وتهيئة المنطقة لمرحلة جديدة تؤسس لدور عربي فاعل على الساحة الدولية وخوض غمار التنمية بما يخدم الشعوب، لا أن تتبدد طاقاتها في صراعات غير مجدية، بل تخريبية تدمر مقدرات الدول.

ولعل ما استهل به صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ـ يحفظه الله ـ كلمته أمام القمة يعد العنوان الرئيسي للمرحلة القادمة التي تتبناها المملكة في سياستها تجاه  المنطقة العربية ودول الجوار الإقليمية ، فقال سموه :" نؤكد لدول الجوار، وللأصدقاء في الغرب والشرق، أننا ماضون للسلام والخير والتعاون والبناء، بما يحقق مصالح شعوبنا، ويصون حقوق أمتنا، وأننا لن نسمح بأن تتحول منطقتنا إلى ميادين للصراعات، ويكفينا مع طي صفحة الماضي تذكر سنوات مؤلمة من الصراعات عاشتها المنطقة، وعانت منها شعوبها وتعثرت بسببها مسيرة التنمية"، وهذه الفقرة التي استهل بها سمو ولي العهد كلمته تعد دستورًا ونهجًا سعوديًا جديدًا وواضحًا تجاه المنطقة ودول الجوار الإقليمي والعالم، ودعوة للجميع للانخراط في هذه التوجهات الإيجابية لطي صفحات الماضي والتوجه نحو السلام والتنمية والبناء وصيانة حقوق الجميع وعدم التدخل في شؤون الآخرين.

 وأوضح سمو ولي العهد موقف المملكة من أبرز القضايا العربية وأعمقها فبدأ بالقضية الفلسطينية، مؤكدًا أنها قضية العرب والمسلمين المحورية وأنها تأتي على رأس أولويات سياسة المملكة التي لن تتوان في دعم الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة على حدود 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية وجاء ذلك في موقف واضح وجلي ولا يقبل المزايدة، وبنفس الوضوح أكد سموه على أن المملكة تعمل على مساعدة الأطراف اليمنية للوصول إلى حل سياسي شامل ينهي هذه الأزمة، وحول الشأن السوداني أعرب سموه عن أمله في أن تكون لغة الحوار هي الأساس للحفاظ على وحدة السودان، واختتم سموه كلمته بالتأكيد على الرؤية الشاملة للوطن العربي وضرورة بناء مستقبله على أسس ثابتة فقال:" إن وطننا العربي الكبير يملك من المقومات الحضارية والثقافية، والموارد البشرية والطبيعية، ما يؤهله لتبوء مكانة متقدمة وقيادية، وتحقيق نهضة شاملة لدولنا وشعوبنا في جميع المجالات" .

والجدير بالاهتمام أن الزعماء العرب استجابوا لرؤية المملكة العربية السعودية وساد الوفاق جلسة القمة بدون اختلاف، أو جدل، أو اعتراض لاستشعار القادة العرب دقة الظرف التاريخي الذي تمر به الأمة العربية، وكذلك إدراك موضوعية الطرح السعودي والإعداد الجيد للقمة، وجاء إعلان جدة منسجمًا مع متطلبات المرحلة ، وركز على السلام والمصالحة ووقف التدخلات الخارجية في شؤون المنطقة، وجاء خاليًا من الشعارات الفضفاضة، وركز على التنمية بمفهومها الشامل التي تعود بالنفع على الشعوب العربية، وبما يحقق الاستقرار ونبذ الخلافات حيث جاء في الإعلان "نثمن حرص المملكة العربية السعودية على توفير الظروف الملائمة لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي في المنطقة"، كما أكد الإعلان على "أن التنمية المستدامة، والأمن، والاستقرار، والعيش بسلام، حقوق أصيلة للمواطن العربي، ولن يتحقق ذلك إلا بتكاتف الجهود وتكاملها، وشدد الإعلان على أن الرؤى والخطط لاستثمار الموارد والفرص، ومعالجة التحديات، و توطين التنمية، وتفعيل الإمكانات يتطلب التضامن العربي.

وخلاصة القول، إن قمة جدة الثانية والثلاثين وضعت الحلول ورسمت خارطة طريق واضحة لمستقبل الأمة العربية وجعلت استقرار المنطقة وتصفية الخلافات وإنهاء الصراعات وتحقيق التنمية المستدامة هدفًا عربيًا استراتيجيًا، وأسست لنهج جديد للقمم العربية القادمة قائم على طي صفحة الماضي، حتى في طريقة إدارة الجلسات فقد حددت القمة خمس دقائق فقط لكل زعيم عربي، وكذلك اختصار البيان الختامي الذي جاء في 12 بندًا فقط دون إسهاب أو إطناب والتركيز على ما يفيد الأمة العربية وشعوبها فقط، وعليه فإننا نستبشر بمستقبل عربي واعد انطلاقًا من قمة جدة 2023م.

مقالات لنفس الكاتب