array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 187

صناديق لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة المدخل للعيش الرغيد للعرب

الخميس، 22 حزيران/يونيو 2023

عقُدت القمة العربية الثانية والثلاثون في شهر مايو 2023م، بمدينة جدة بهدف تصفير المشكلات العربية والاتجاه صوب بناء اقتصاد عربي متين وتحقيق التنمية المستدامة وسط أجواء إيجابية غير مسبوقة، وبحضور مميز للقادة العرب على مستوى الرؤساء والملوك. وكان العامل الاقتصادي والتنموي حاضرًا بقوة في إعلان جدة، وهو ما يؤكد على أهمية حشد الطاقات والموارد لتعزيز العمل الاقتصادي العربي المشترك في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها العالم العربي وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والصراع بين الولايات المتحدة والصين على الساحة الدولية وانعكاسات ذلك على سلاسل التوريد العالمية، فضلاً عن التطورات المالية والاقتصادية العالمية التي تؤثر كثيراً على مسيرة التنمية المستدامة في البلدان العربية.

   سنتناول في هذا المقال استعراض وتحليل أهم النقاط الاقتصادية التي جاءت في إعلان جدة وكيفية ترجمتها إلى مشاريع وبرامج اقتصادية في الخطط والاستراتيجيات التنموية للبلدان العربية بقصد تعزيز مسيرة التكامل الاقتصادي وتحقق الأمن الاقتصادي العربي لاسيما في مجال أمن الطاقة والأمن الغذائي العربي في ظل التطورات الدولية والإقليمية الراهنة.

أولاً-المضامين الاقتصادية في إعلان جدة:

  يُمكن إيجاز المضامين الاقتصادية التي جاءت في إعلان جدة الصادر عن القمة العربية الثانية والثلاثين التي عُقدت بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية بالآتي:

1) أشار البند رقم (7) إلى التأكيد على أن التنمية المستدامة والأمن والاستقرار والعيش بسلام، حقوق أصيلة للمواطن العربي، ولن يتحقق ذلك إلا بتكاتف الجهود وتكاملها، ومكافحة الجريمة والفساد بحزم وعلى المستويات كافة، وحشد الطاقات والقدرات لصناعة مستقبل قائم على الإبداع والابتكار ومواكبة التطورات المختلفة، بما يخدم ويعزز الأمن والاستقرار والرفاه لمواطني الدول العربية.

2) أشار البند رقم (11) إلى الإيمان بأن الرؤى والخطط القائمة على استثمار الموارد والفرص، ومعالجة التحديات، قادرة على توطين التنمية وتفعيل الإمكانات المتوفرة، واستثمار التقنية من أجل تحقيق نهضة عربية صناعية وزراعية شاملة تتكامل في تشييدها قدرات دولنا، مما يتطلب منا ترسيخ تضامننا وتعزيز ترابطنا ووحدتنا لتحقيق طموحات وتطلعات شعوبنا العربية

3) أشار البند (12) إلى تثمين حرص واهتمام السعودية بكل ما من شأنه توفير الظروف الملائمة لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي في المنطقة، وخصوصاً فيما يتعلق بالتنمية المستدامة بأبعادها الثقافية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية وعملها خلال سنة رئاسة المملكة للقمة العربية 32 على عدد من المبادرات التي من شأنها أن تسهم بدفع العمل العربي المشترك في المجالات الثقافية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ومن ذلك:

أ-مبادرة استدامة سلاسل إمداد السلع الغذائية الأساسية للدول العربية، والتي تعتمد بشكل أساسي على مجموعة من الأنشطة وتوفير فرص استثمارية ذات جدوى اقتصادية ومالية تساهم في تحقيق الأمن الغذائي لدول الوطن العربي، والمساهمة الفاعلة في تلبية احتياجات الدول العربية من السلع الغذائية.

ب-مبادرة البحث والتميز في صناعة تحلية المياه وحلولها بغرض تحفيز البحث العلمي والتطبيقي والابتكار في صناعة إنتاج المياه المحلاة وحلول المياه للدول المهتمة والمحتاجة، والتركيز على نشر ومشاركة المعرفة والتجارب والمساهمة في تحسين اقتصادات هذه الصناعة لخفض التكلفة ورفع كفاءة العمليات واستدامتها بيئيًا، والمساهمة في إصدار المواصفات والمقاييس المعيارية والهيكلة المؤسسية لقطاعات المياه لتكون صناعة استراتيجية للدول العربية.

 ج-مبادرة إنشاء حاوية فكرية للبحوث والدراسات في الاستدامة والتنمية الاقتصادية والتي من شأنها احتضان التوجهات والأفكار الجديدة في مجال التنمية المستدامة وتسليط الضوء على أهمية مبادرات التنمية المستدامة في المنطقة العربية لتعزيز الاهتمام المشترك ومتعدد الأطراف بالتعاون البحثي وإبرام شراكات استراتيجية.

ثانياً-المشهد العربي في مجالي الأمن الغذائي وأمن الطاقة:

  • الأمن الغذائي العربي:

   يُشكل تأمين الغذاء للمواطن العربي وسلاسل التوريد أحد أهم الهواجس التي أكد عليها إعلان جدة، حيث يزداد الطلب على السلع الغذائية في البلدان العربية دونما تحقيق تنمية فعلية في الإنتاج الزراعي تلبي الاحتياجات الغذائية، ويأتي ذلك وسط تحديات اقتصادية واجتماعية وبيئية تتعرض لها المنطقة العربية، علاوة على الأحداث الأمنية، مما قاد إلى تصاعد قيمة الفجوة الغذائية خلال العشرية الثانية من القرن الحالي، حيث ارتفعت قيمتها من (28.9) مليار دولار عام 2010 إلى (44.1) مليار دولار بنسبة تقدر بحوالي (4.3%) على أساس سنوي خلال الفترة (2010-2020م).

شكل (1) قيمة الفجوة الغذائية في الدول العربية (2010، 2015-2020) مليار دولار

المصدر: من عمل الباحث بالاعتماد على التقرير الاقتصادي العربي الموحد للعام 2022، ص 83

 

     ويتوقع أن تزداد الفجوة الغذائية العربية نظراً للفجوة بين النمو السكاني من ناحية والمقدر بنحو (1.7%) ونمو الإنتاج الزراعي والسمكي المقدر بنحو (1.5%). كما ستنمو هذه الفجوة تحت تأثير عوامل أخرى، من أهمها محدودية مساحة الأراضي الخصبة، وتدهور التربة المستمر نتيجة التصحر والتملح وتداخل مياه البحر، والممارسات الزراعية غير المستدامة، وتدني إنتاجية الهكتار وإنتاجية المتر المكعب الواحد من المياه، وكذلك استنزاف المياه الجوفية، والتوسع الحضري على حساب الأراضي الزراعية، علاوة عن تأثير تغير المناخ. ومع أن الأمن الغذائي يُعد أولوية قصوى في الدول العربية، غير أن الخطط والبرامج لا تواكب هذه الأولوية، حيث تحتل الدول العربية المراتب الأولى عالمياً في استيراد القمح.

    وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدول العربية تذيلت ترتيب دول العالم في مؤشر الأمن الغذائي خلال الربع الثاني من 2022م، الصادر عن مؤسسة Deep Knowledge Analytics، حيث تذيّل الصومال الترتيب ليصبح الأكثر ضعفًا بين الدول العربية وعلى صعيد العالم أيضًا، يليه السودان في المركز الثاني من حيث الأكثر ضعفًا على مؤشر الأمن الغذائي في الربع الثاني من هذا العام، ثمّ اليمن وموريتانيا وسوريا وجيبوتي وليبيا على الترتيب.

 

جدول (1) ترتيب الدول العربية في مؤشر الأمن الغذائي الربع الثاني للعام 2022

رصيد النقاط (0-10)

الترتيب عالمياً من (171) دولة

الدولة

 

7.07

26

الإمارات

1

6.99

29

قطر

2

6.99

30

البحرين

3

6.77

41

عمان

4

6.76

43

الجزائر

5

6.75

44

السعودية

6

6.69

47

الكويت

7

6.40

63

المغرب

8

6.39

64

تونس

9

6.10

76

الأردن

10

5.93

91

لبنان

11

5.76

108

فلسطين

12

5.76

110

مصر

13

5.60

113

جمهورية القمر المتحدة

14

5.35

125

العراق

15

5.18

137

ليبيا

16

5.09

142

جيبوتي

17

5.01

148

سوريا

18

4.94

150

موريتانيا

19

4.41

160

اليمن

20

4.38

168

السودان

21

2.97

171

الصومال

22

Source: https://www.dka.global/food-security-index-q2-2022

     وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسة Deep Knowledge Analytics  قد حذرت من زيادة مستويات الجوع وانعدام الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومن المتوقع أن تعاني الدول التي تشهد نزاعات وأزمات اقتصادية كاليمن وسوريا وتونس ولبنان حتى قبل الحرب الروسية، وظروفًا مناخية سيئة مثل الجفاف كالصومال والعراق، بشكل أكبر من الدول الأخرى وتكون أكثر عرضة للجوع، وسوف ينعكس ذلك سلباً على جهودها في تحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة المتمثل بالقضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي.

2) أمن الطاقة:

 يقيس مؤشر أمن الطاقة الصادر عن مجلس الطاقة العالمي قدرة الدولة على تلبية الطلب الحالي والمستقبلي على الطاقة بشكل موثوق، وتحمل الصدمات مع الحد الأدنى من انقطاع الإمدادات. كما يغطي فعالية إدارة مصادر الطاقة المحلية والخارجية، بجانب موثوقية ومرونة البنية التحتية للطاقة. وفقا لمؤشر أمن الطاقة للعام 2020/2021م، الصادر عن مجلس الطاقة العالمي نجد هناك تفاوت في أداء البلدان العربية ما بين أداء مرتفع جداً في قطر واداء متدني في كل من لبنان والأردن والعراق.

جدول (2) ترتيب الدول العربية في مؤشر أمن الطاقة للعام 2020/2021

 

الدولة

الترتيب عالميا من 129 دولة

1

قطر

13

2

البحرين

41

3

الإمارات العربية المتحدة

47

4

المملكة العربية السعودية

47

5

مصر

51

6

الجزائر

56

7

تونس

57

8

الكويت

57

9

سلطنة عمان

61

10

المغرب

71

11

موريتانيا

71

12

العراق

81

13

الأردن

85

14

لبنان

95

المصدر: الهيئة العربية لضمان الاستثمار، مناخ الاستثمار في الدول العربية، 2022، ص33

    ويمكن القول بأن ملف الطاقة يعد أحد عناصر القوة التي تملكها المنطقة العربية، حيث إن دولا ًعربية تشكل حجر الزاوية في مساعي تعزيز استقرار أسواق النفط العالمية والحفاظ على توازنها، وأمن الإمدادات فيها بما يدعم فرص نمو الاقتصاد العالمي. ونظراً للدور المهم للطاقة في تحقيق التقدم الاقتصادي المنشود للبلدان العربيةـ لذا فإن تحقيق أمن الطاقة بات يشكل ضرورة رئيسة وأولوية في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي، ويمكن الإشارة في هذا المجال لبعض المشروعات كأمثلة لما يمكن تحقيقه بصورة واسعة على ضوء ما جاء في إعلان جدة:

  • مشاريع الربط الكهربائي من الأردن إلى لبنان عبر سوريا.
  • مشروع الغاز المصري عبر الأردن وسوريا إلى لبنان.
  • مشروع خط نفط البصرة إلى العقبة ومن ثمّ إلى مصر.

  وفي إطار تعزيز أمن الطاقة في المنطقة العربية قامت السعودية بالتوقيع على مذكرات تفاهم مع العديد من الدول العربية في مجال الطاقة كمصر، عمان، العراق والأردن، شملت التعاون في مجالات الكهرباء، والطاقة المتجددة، والهيدروجين النظيف، والبترول والغاز، والبتروكيماويات، وتدرس المملكة طلب العراق قيام شركة أرامكو باستثمار الغاز في حقل عكاز العملاق الواقع بالقرب من الحدود السورية. كما قامت دولة قطر بالتوقيع على مذكرات تعاون في مجال الطاقة، تخصّ النفط الخام وتجهيز العراق بالغاز المُسال، ومذكرة تعاون لتأسيس شركة نفط مشتركة وأخرى تخص إنشاء مصفى. كما تقوم المملكة العربية السعودية بدراسة مشاريع تهدف إلى “الربط الكهربائي بين المملكة والدول العربية”، على غرار مشاريع الربط الموجودة بين المملكة ودول الخليج الأخرى، وكذلك الشروع في تنفيذ مشاريع الربط المباشر بين المملكة وكلٍّ من العراق، والأردن، ومصر.

     وغني عن البيان فإن مشاريع الربط الكهربائي بين الدول العربية تُعد من أهم المشاريع التي من شأنها الإسهام في مواجهة الزيادة في الطلب على الطاقة الكهربائية المصاحبة لخطط التنمية الاقتصادية، حيث يتم من خلال الربط الاستعانة بقدرات التوليد الفائضة أو الرخيصة في بلد ما كاحتياطي للبلدان الأخرى، مما يضمن تزويد المستهلك بالطاقة الكهربائية بأسعار مناسبة وموثوقية عالية.

ثالثاً-المبادرات التي طرحت في قمة جدة

    طرحت في إعلان جدة الصادر عن القمة العربية (32) العديد من المبادرات التي تلامس هموم الإنسان العربي، ويمكن إيجاز هذه المبادرات التي تمثل مدخلاً لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي المنشود على النحو الآتي:

أ-مبادرة استدامة السلاسل الغذائية:

أكد بيان القمة العربية بجدة مبادرة استدامة إمداد السلاسل والسلع الغذائية الأساسية للدول العربية والتي تهدف إلى “التحوط” من تداعيات استمرار آلة الحرب الروسية الأوكرانية، التي كانت بجانب جائحة كوفيد-19، سببًا مباشرًا في تأثر إمداد السلاسل الغذائية حول العالم، وأضرّت بشكل مباشر بالدول العربية لاسيما مصر ولبنان التي تعتمد على واردات القمح والذرة من أوكرانيا وروسيا.

    إن تأمين استدامة السلاسل السلع الغذائية يتطلب تبني الدول العربية لجملة من التوجهات التنموية التي تتمثل بالآتي:

  • قيام الدول العربية التي تمتلك فوائض مالية بالمزيد من الاستثمار بالقطاع الزراعي في بعض الدول العربية التي تمتلك موارد طبيعية تؤهلها لتكون سلة للغذاء العربي كالسودان والمغرب ومصر وموريتانيا، وذلك من خلال إقامة مشروعات مشتركة لزراعة مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة لاسيما الحبوب التي تعتمد أغلب البلدان العربية على استيرادها من الخارج.
  • توجيه صناديق الاستثمار السيادية لدى دول الخليج العربي بتوسيع رقعة استثماراتها في إفريقيا وآسيا في المجال الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، وبما يؤمن مستقبلاً استدامة سلاسل توريد الغذاء التي تُعد مكملة للجهود الوطنية لتحقيق الأمن الغذائي.

    وغني عن البيان، فإن السياسات الزراعية الواجب تنفيذها في البلدان العربية تأخذ بالاعتبار بأنها سلسلة القيمة التي تبدأ من إعداد إنتاج سلعة أولية وتنتهي عند استهلاك المنتج النهائي وتشمل جميع الأنشطة الاقتصادية التي تتم بين هذه المراحل. السياسات مهمة في توفير المبادئ والتوجيهات التي يجب اتباعها في تحسين الإنتاج الزراعي المحلي، وبالتالي الحد من الفقر وزيادة توافر الغذاء. ومن الأمثلة للسياسات الزراعية التي يمكن تطبيقها من أجل تحسين الأمن الغذائي العربي: تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب الغذائية وزيادة إنتاج المحاصيل الغذائية الأخرى وتحقيق نمو زراعي مستدام من خلال استخدامات أكثر كفاءة وتوازنًا للأراضي والمياه والموارد الأخرى.

ب – مبادرة تحلية المياه ومواجهة تحدي الأمن المائي:

    تُعد نــدرة الـمـيــاه فـي الـمـنـطـقــة الـعـربـيــة أحــد المحددات الرئيسـة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن المتوقع أن يؤدي التغيّر المنـاخي إلى تفـاقم هـذا الوضــــع. ذلـك أنـه حتى بـدون تـأثير التغيّر المنـاخي في الموارد المائية، وبســبب النمو الســكاني وتغير أنماط معيشــــة الســــكان واستهلاكهم للمياه، فإن التوقعات تشـــير إلى أن المعدل الســـنوي لنصـــيب الفرد في الوطن العربي من الميـاه المتجـددة، المقـدر ســــنويـًا حجمهـا بحوالي 260 مليـار متر مكعب سوف ينخفض من حوالي 600 متر مكعب عـام 2020م، إلى حوالي (500) متر مكعب عام 2030م، والذي يُعد حد العجز أو الفقر المـائي الخطير. كمـا أنـه من المتوقع أن ينخفض هـذا المعـدل مجـدداً إلى (400) متر مكعب بحلول عام 2050م.

    أمام هذا التحدي الخطير ركزت القمة العربية في جدة على قضية أزمة المياه وهي إحدى القضايا العالمية أيضًا، وتعاني منها بعض الدول العربية، لذا تحاول المشاركة إقليميًّا وعالميًّا من خلال تبني مبادرة تحلية المياه، والتي نجحت فيها دول مجلس التعاون الخليجي رغم ما تعانيه من ظروف بيئية ومناخية صعبة، وأنها من بين أكثر مناطق العالم جفافًا وإجهادًا مائيًّا، فإن ما تحققه من إنجازات لتوفير المياه بشكل مستدام بما يلبي احتياجات الأجيال الحالية واللاحقة، ويواكب النمو السكاني المطرد والتوسع الحضري المتسارع والتنمية الشاملة، يعد مفخرة ودليلًا على الاهتمام الذي توليه حكومات دول مجلس التعاون لتوفير أساسيات العيش الكريم الآمن لمواطنيها. كما أن (40%) من إنتاج المياه الصالحة للشرب والاستخدام الزراعي والصناعي من خلال محطات التحلية يقع في دول مجلس التعاون، وهو ما يؤكد تمكن دول مجلس التعاون من تحقيق ما نسبته (100%) من هدف التنمية المستدامة المتعلق بإمكانية حصول جميع السكان على مياه شرب وخدمات الصرف الصحي.

   وغني عن البيان، فإن النهج الأمثل للتصدي لشح المياه وتحقيق الأمن المائي يكمن في إحكام إدارة الطلب المتزايد على المياه، مع عدم إغفال مشاريع زيادة العرض من المياه من خلال التوسع في تحلية المياه ومعالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي والصناعي، وزيادة حجم تعبئة الموارد المائية، وتحسين تقنيات الري، واستخدام تقنيات الري الموضعي، وتعميم التعرفة المفروضة على مياه الري من خلال اعتماد تعرفة تقوم على حساب الحجم المستهلك من المياه.

ج – مبادرة تعزيز البحث العلمي:

   وضعت بعض الدول العربية رؤاها المستقبلية التي تشمل غاياتها تحويل الاقتصادات العربية صوب الاقتصاد المرتكز على المعرفة بوصفه الضمانة الأكثر استدامة لنتائج التنمية المستدامة في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، والأقل عرضة لتقلبات الأسواق العالمية. وفي هذا الإطار كان البحث والتطوير ولا يزال مكونا أساسياً في الاستراتيجيات والخطط التنموية في العديد من البلدان العربية.

   إن تعزيز البحث العلمي في المجالات المختلفة، التي أكد عليه إعلان جدة يُعد خطوة للخروج من فلك وتبعية النماذج الخارجية والغربية تحديدًا في إيجاد حلول لمعوقات التنمية المستدامة، التي قد لا تتوافق مع طبيعة الدول العربية. وهذا يتطلب من الحكومات العربية الاعتماد على الذات من خلال زيادة الإنفاق على البحث العلمي والتطوير، حيث لايزال المعدل العربي لهذا الإنفاق البالغ (0.61%) من الناتج المحلي الإجمالي متدني جداً مقارنة مع المعدل العالمي البالغ (1.72%) والمعدل بأمريكا الشمالية وأوروبا الغربية (2.44%) وشرق آسيا والمحيط الهادئ.

 

المصدر: تم إعداد الشكل من الباحث بالاعتماد على قاعدة بيانات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم

 

  إن الدول العربية مدعوة اليوم وبشكل فوري لتقديم الدعم المالي المنشود لتأخذ مراكز الأبحاث العربية دورها الفاعل في البحث العميق لإيجاد الحلول التي تواجهها لتحقيق التنمية المستدامة لاسيما فيما يرتبط بمشاكل الجفاف والتصحر الذي تعاني منه الدول العربية، حيث بلغ مجموع المسـاحات المتصـحرة حوالي (9) ملايين كم تمثل (%68) من مسـاحة هذه الدول. وكذلك البحث في إيجاد الحلول المبتكرة للحد من الفقر المدقع، حيث

أن (11.5%) من ســــكـان المنطقـة العربية كـانوا تحـت خط الفقر الدولي عام 2019م، مقارنة بنسبة (8.0%) عام 2015م، وقدّرت نســـبة الفقر متعدد الأبعاد الذي يشـــمل (الحرمان الحاد من الصـــحة والتعليم وانخفاض مســـتويات المعيشـــة) في الدول العربية بحوالي (14.5%) في 2020م.

    كما يجب أن تأخذ المراكز البحثية العربية دورها الفاعل في توجيه باحثيها لتناول إعداد دراسات عملية تتناول إيجاد الحلول للمشكلات المترتبة عن التغير المناخي والتي تنعكس سلباً على مسار التنمية العربية، فضلاً عن الاهتمام بمراكز الطاقات المتجددة التي بات الاستثمار في مشاريعها البحثية فيها يمثل مطلباً أممياً وذلك للتقليل من انبعاثات غازات الدفيئة وصولاً لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2025م.

   وختاماً نقول بأن التطبيق الناجح للمبادرات التي جاءت في إعلان جدة على أرض الواقع وبشكل جاد يخدم تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030 يتطلب توفر الإرادة والعزيمة لدى الحكومات العربية لتجاوز الخلافات،، وتعزيز البحث العلمي، وتبني مشاريع للتكامل الاقتصادي لاسيما في مجالي أمن الغذاء والطاقة المُهمين للإنسان العربي في ظل تفشي الفقر والبطالة والتي تتطلب حلول ابتكارية تستهدف خلق فرص عمل للشباب العربي وفق ما جاء بتوصيات القمم الاقتصادية العربية التي أكدت على إنشاء صناديق تستهدف تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل مدخلاً مهماً في خلق دخل مستدام يؤمن العيش الرغيد للمواطن العربي.

مقالات لنفس الكاتب