array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 188

القوة الناعمة الخليجية والنهج العقلاني

الأحد، 30 تموز/يوليو 2023

منطقة الخليج العربي ذاخرة بمصادر القوة الناعمة، وهذه القوة كانت موجودة قبل مرحلة النفط وأثناءها وستظل إلى ما بعدها، وأي باحث منصف، أو من عايش المجتمعات الخليجية عن قرب يستطيع أن يقدم دراسات مستفيضة عن القوة الناعمة الخليجية، وعن مقومات وركائز الموروث الحضاري، ويمكن القول إن أهم مصادر القوة الناعمة الخليجية  هو (الإنسان)  الذي يحمل صفات الشخصية العربية الأصيلة التي تعبر عن الإنسان العربي بكل ما يحمله من صفات العطاء والكرم والإباء، تلك الصفات التي يفخر بها كل عربي، كما كانت محل فخر الشعراء والأدباء منذ القدم وبها تغنوا، وكانت أيضًا محل اهتمام الرحالة والمستشرقين في مراحل زمنية كثيرة، وهذه الصفات مجتمعة تشكل ما يُطلق عليه القوة الناعمة التي تؤثر في الآخر وتكون جاذبة له.

الإنسان العربي القديم في شبه الجزيرة العربية ترك تراثًا عظيمًا يخضع حاليًا للاكتشاف وتقديمه في ثوب عصري لزائري المنطقة ويدل على عظمة الإنسان العربي القديم، ولعل منطقة شبه الجزيرة العربية تباهي العالم بما شرفها الله سبحانه وتعالى واختارها مكانًا لبيته الحرام مهوى الأفئدة، في مكة المكرمة ثم اختارها لرسالته الخالدة للعالم أجمع حيث هبط الوحي جبريل الأمين على الرسول الأعظم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في أطهر بقاع الأرض ومنها بدأت وانطلقت الدعوة الإسلامية التي انتشرت ضياءً وهدى للبشرية ثم تأسست الدولة الإسلامية الأولى التي أرست دعائم العدل والخير والمساوة.

وبذلك فإن القوة الناعمة في دول مجلس التعاون الخليجي لم تكن وليدة حقبة النفط كما يتصور البعض، بل هي قديمة قدم تاريخ الإنسانية، وإن كانت الدولة الخليجية الحديثة تعاملت مع الثروة النفطية بذكاء وأحسنت استخدامها وسخرتها للتنمية وبناء الإنسان باعتباره أهم عناصر التنمية وهو المستهدف من عملية التنمية المستدامة، وقد قيض الله سبحانه وتعالى لدول مجلس التعاون الخليجي أسرًا حاكمة قادت دولها إلى التقدم والازدهار والمحافظة على ثرواتها ومقدراتها واهتمت برفاهية مواطنيها بحكمة واتزان دون تهور أو مهاترات، أو مقامرة بالثروة والمقدرات، أو الدخول في صراعات تبدد قوة الشعوب كما فعلت أنظمة في دول أخرى، بل استطاعت أن تجنب شعوبها ويلات ما تعرضت له شعوب أخرى في المنطقة من أحداث لا جدوى منها كما حدث في ما يسمى بثورات الربيع العربي التي انتشرت في المنطقة العربية مع نهاية عام 2010 وبداية عام 2011م، وكانت نذير شؤم على بعض الدول العربية التي مازالت تعاني من الحروب الأهلية والتدخلات الخارجية وتدهور أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وتحولت إلى دول رخوة.

ودول مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية لم تكتف فقط بحماية شعوبها من مغامرات فاشلة لجماعات الإسلام السياسي التي أرادت الاستيلاء على الحكم بالقوة وتعيث في الأرض فسادًا، بل قامت بلم شمل الدول التي كانت ضحية لهذه الصراعات وساعدتها على النهوض والتعافي وهذا ما فعلته وتفعله تجاه مصر ، وسوريا، وليبيا، واليمن، والسودان، وأخذت تعمل من أجل استخدام الحلول السلمية مع دول الجوار غير العربية مثل إيران وتركيا لإيجاد الاستقرار الإقليمي وتفرغ الشعوب للتنمية بدلًا من الحروب والصراعات، وفضلت استخدام الدبلوماسية العامة أو القوة الناعمة لا القوة الصلبة في حل خلافات المنطقة مع دول الجوار ، بل استطاعت أن تكون منطقة جذب للقوى العظمى بفضل حيادها الإيجابي واعتدالها السياسي ونفوذها القوي وثقلها الاقتصادي وحكمة قيادتها في معالجة القضايا.

وزاد من الاهتمام العالمي بدول مجلس التعاون الخليجي رغبة هذه الدول في الانفتاح على كافة دول العالم والدخول في شراكات اقتصادية مفيدة لما يعزز مسيرتها التنموية وتنفيذ رؤى 2023 للتنمية وهي تراعي في كل ذلك مصلحة شعوبها وما تصبو إليه بغض النظر عن الأيدولوجيات المتنافسة، أو الصراعات التي تسيطر على سياسة ومواقف بعض دول العالم، حيث إن دول مجلس التعاون تسعى لتوطين الصناعات والتكنولوجيا وخوض غمار اقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي بما يحقق الرفاهية لشعوبها وإيجاد فرص عمل حقيقية تستوعب الخريجين.

ونخلص إلى أن القوى الناعمة الخليجية لها مرتكزات ومصادر وأدوات وتحكمها رؤية سياسية واضحة، وتديرها قيادات واعية تستخدم في تنفيذها دبلوماسية عامة أو قوة ناعمة مدركة للمتغيرات والمتطلبات في الداخل والخارج، فتستخدم الحوار الحضاري، وتأخذ بزمام مبادرات الشراكة مع الجميع بعد أن تجاوزت بسياستها عقبات الإرهاب وأسست لحوار الحضارات ونبذ الكراهية والدعوة لقبول الآخر فنجحت في تأسيس قوة ناعمة قائمة على المزايا النسبية وبمنهج أخلاقي.    

مقالات لنفس الكاتب