array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 188

من الفعل التلقائي إلى التوظيف الوطني والتنموي

الأحد، 30 تموز/يوليو 2023

شهدت السنوات العشرون الأخيرة، تنامي القوة الناعمة لدول مجلس التعاون الخليجي بشكل لافت، وجاء ذلك ترجمة طبيعية لتنامي مكانة الدول الخليجية وثقلها في المحيط الإقليمي، في لحظة أسماها البعض "لحظة الخليج في التاريخ العربي"(هكذا بإجمال)، بينما اعتبرها آخرون لحظات السعودية والإمارات وقطر(بتفصيل). ساعد على ذلك ما حققته دول مجلس التعاون من قفزات في أصول القوة الناعمة، تمكنت بها من تعظيم رصيدها منها. وتمثلت ثمرات ذلك في حلول ثلاث من دول المجلس في قائمة الـ 25 دولة الأوائل على مستوى العالم في مؤشر "القوة الناعمة" لعام 2023م، وفق تقرير مؤسسة "براند فاينانس"، ودخول إحداها في نادي الدول العشر الأولى الأكثر تمتعًا بهذا النوع من التأثير على مستوى العالم.

وبعيدًا عن القوة الناعمة الحصرية الممنوحة إلهيًا للمملكة العربية السعودية، والمتمثلة في وجود الأماكن المقدسة التي تشكل أساس المكانة الروحية والقيادة السعودية في العالم الإسلامي، وبعيدًا أيضًا عن سحر سردية الحياة التاريخية الإسلامية والماضي الخاص بالجزيرة العربية الذي اجتذب كثيرًا من الرحالة الأجانب، أو سرديات الحاضر الخليجي المزدهر، الذي جعل دول الخليج مطمح القادمين للعمل ولتحقيق الأحلام، لم يكن هذا البعد للقوة الناعمة لدول المجلس محلاً لتسليط الأنظار قبل القرن الحادي والعشرين.

أولاً: القوة الناعمة الخليجية وتعزيز الدور التنموي والوطني

بحسب أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي، جوزيف س. ناي، يشير مفهوم "القوة الناعمة" إلى مدى قدرة الدول أو الحكومات على تحقيق أهدافها من خلال التأثير في الجماعات أو الأفراد وتوجيه خياراتهم العامة، مستندة إلى "جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي ومنظومة قيمها ومؤسساتها، دون اللجوء إلى الإكراه أو التهديد، ودون الاضطرار إلى الاستعمال المفرط للوسائل العسكرية والصلبة".

وبعد مرور عقدين على كتاب جوزيف ناي، المعنون "القوة الناعمة: وسيلة النجاح في الحياة الدولية"، تبرز القوة الناعمة الخليجية كإحدى أهم مرتكزات القوة الشاملة لدول الخليج، وهي القوة التي أرجع السفير د. محمد نعمان جلال (في مقال له بصحيفة الوطن البحرينية في 22 أكتوبر 2012) زيادة أرصدة دول مجلس التعاون منها إلى ثلاثة اعتبارات، هي: أولاً، ثروات النفط والغاز الوفيرة مع ارتفاع أسعارها نتيجة حرب أكتوبر 1973م، والاستخدام الرشيد لتلك الثروات. والثاني، تغير عقليات الحكام الخليجيين بالاهتمام بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإرساء دعائم البنية الأساسية لبلدانهم. والثالث، الانطلاق في إطار العالمين العربي والدولي لبناء علاقات جديدة، وباختصار تخلي حكام الخليج عن النمط شبه الانعزالي عالمياً والنمط الهادي عربياً وإقليمياً.

إذا كان ذلك هو ما كتبه السفير نعمان جلال منذ 11 سنة، من وحي إطلالته على الشؤون الخليجية وإقامته الطويلة في البحرين، فإن ما يمكن قوله عن القوة الناعمة الخليجية حاليًا، يتجاوز ذلك بكثير، بعد أن تجاوزت دول المجلس مرحلة السعي إلى حيازة القوة الناعمة بهدف استعراض أصولها منها، وانتقلت من مرحلة حيازة القوة الناعمة بهدف تصحيح الصورة، إلى مرحلة توظيف هذه القوة على نحو واعي وهادف وإدماجها ضمن خطط التنمية الوطنية، بهدف تعظيم المكانة والأرباح والعوائد. لقد تحولت القوة الناعمة الخليجية من كونها مجال قوة تسعى بها دول الخليج للترويج لصورتها الحداثية العصرية والمباهاة بأنماط حياتها ومعيشتها ومستوى رخائها وسعادة مواطنيها وإبراز طبيعتها السلامية، إلى كونها نمطًا من القوة يعود على دول المجلس بمكاسب وأصول مادية تضيف إلى نموذجها الحياتي والمعيشي، ومن ثم أخذت هذه القوة مكانتها في سياق التخطيط التنموي والنهضوي للدول الخليجية، وتحولت القوة الناعمة التي من شأنها إبراز القوة الكامنة للمجتمعات وتعزيز صورتها الخارجية دون فعل متعمد، إلى أرصدة تضيف إلى مكانة دول المجلس، وتضيف حتى إلى قوتها العسكرية الصلبة.

وتقدم دول المجلس نموذجًا مثاليًا على تلاقح نمطي القوة؛ فالقوة الخليجية الصلبة (العسكرية والمادية) تفيض في بعض أبعادها على قوتها الناعمة، وبالعكس تفيض قوتها الناعمة على بعض مجالات قوتها الصلبة وتعززها بسياج معنوي وأخلاقي يضيف للصلابة العسكرية ويعزز الصورة الوطنية للدولة. ويقدم النموذج التنموي والسياسي والترفيهي لدول المجلس أبعادًا إضافية إلى قوتها الأصلية، كما أن تعزيز الشخصية الوطنية من خلال القوة الناعمة يعزز مكانة وقوة دول المجلس العسكرية والسياسية، ويكرس حصانتها ومناعتها إزاء التهديدات والتحديات من الإقليم والعالم. بل إن تعزيز الروح الوطنية عبر مجالات القوة الناعمة، هو أهم ما يضيف للقوة الصلبة لدول المجلس، التي تحولت من دول صغيرة ووديعة إلى قوى دبلوماسية - مشاكسة بالفكر والقرار- وذات حضور على الساحة الدولية، وتقدم نموذجًا في استقطاب المتميزين والمبدعين والشباب الطامحين بصناعة المستقبل. وأصبح الإقبال الخليجي على الاستثمار في دولة ما مصدر رخاء وبشرة خير، بينما أصبح الابتعاد أو الإعراض الخليجي عن دولة أو نظام ما فأل سيء. 

ولعل من أهم مستجدات القوة الناعمة لدول مجلس التعاون الخليجي، ما يمكن تسميته بـ "إدارة القوة الناعمة"، والذي هو مفهوم جديد يمكن صكه من وحي تعامل دول المجلس مع هذا النمط من القوة؛ حيث لم يعد مفهوم القوة الناعمة معطى تلقائيًا يشير إلى محصلة القوة الناعمة للدولة ومنافعها العامة على صورتها الدولية، وإنما أصبح بناء القوة الناعمة عملية تخضع لصناعة وتجري إدارتها وتوجيهها على نحو هادف. برز ذلك في إنشاء دولة الإمارات مجلس القوة الناعمة، في 29 إبريل 2017 م، في دبي، والذي جرى تكليفه برسم السياسة العامة واستراتيجية القوة الناعمة لدولة الإمارات، ومناقشة واقتراح المشروعات والمبادرات الداعمة للقوة الناعمة للدولة، ومتابعة تنفيذ المبادرات والقرارات الصادرة بشأن القوة الناعمة، ورفع تقارير دورية لـ "مجلس الوزراء"، بشأن التقدم المنجز في تنفيذ الاستراتيجية. ويشير ذلك إلى وضع دول المجلس يدها على جوانب تميز هذه القوة الناعمة وإمكان توظيفها في سياق الاستراتيجية الوطنية. 

وإلى حد كبير، أصبحت مجالات القوة الناعمة للدول الخليجية مسكّنة لغرض أداء وظيفة، تقوم بها ضمن الأهداف التنموية والخطط الوطنية، بدءأ بالترفيه والفن وحتى الرياضة، وعلى سبيل المثال، تتضمن الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية السعودية، التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء في سبتمبر 2022م، مبادرات تستهدف جعل السعودية مركزاً عالمياً في هذا القطاع بحلول عام 2030، على نحو يسهم في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 في تنويع الاقتصاد وتوفير الفرص الوظيفية في مختلف القطاعات، وتقديم ترفيه عالي المستوى للمواطنين والمقيمين والزائرين على حد سواء. وتستهدف الاستراتيجية تحقيق أثر اقتصادي بالمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 50 مليار ريال، واستحداث فرص عمل جديدة تصل إلى أكثر من 39 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة بحلول عام 2030. وفي مجال الترفيه والقطاعات المرتبطة به تخطط المملكة لوصول مساهمة هذا القطاع نسبة 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وخلق 450 ألف فرصة عمل بحلول العام 2030، وأن تبلغ حصتها من الإنفاق الترفيهي العالمي إلى 1.4%.

ويعني ذلك أن التفكير الخليجي بشأن القوة الناعمة لم يعد يتعامل معها كإحدى المجالات التي يجري الإنفاق عليها وتخصيص بنود لها في الموازنة فقط لأجل تحسين الصورة من دون عائد مادي، وإنما طور استراتيجيته وتفكيره حولها لتكون إحدى مقومات النهوض الاقتصادي الذي ينفق على ذاته ويعود بالعوائد. ولا يقتصر اهتمام دول المجلس بالقوة الناعمة على توظيفها في الدور التنموي، وإنما أيضًا في تعزيز الهوية الوطنية.

 ثانيًا: مجالات القوة الناعمة لدول الخليج

تعددت صور وأشكال القوة الناعمة الخليجية، بعد أن جرى ترجمة مجالات هذه القوة الناعمة في السياق الخليجي، فأنتجت منتجًا مميزًا بالخصائص القومية والتاريخية الخليجية، وتتمثل أبرز ملامح وخصائص تلك القوة على النحو التالي:

  1. القوة الناعمة الحصرية للأماكن المقدسة: يشكل هذا الجانب للقوة الناعمة شأنًا حصريًا للمملكة العربية السعودية، لا ينافسها فيه منافس، ومن خلاله تقدم المملكة نموذجها الإسلامي الخاص. وإذا كان هذا المجال من القوة الناعمة هو أكثر المجالات المستدامة بمكوناته التي تبدو ثابتة ولا تتغير، إلا أن تحولات الواقع السعودي وتحولات الطبيعة السعودية الإسلامية في ظل الرؤية الوطنية 2030، والتي كرست حضورها في المشهد السعودي على مدى السنوات الماضية، أنتجت تحولات وتأثيرات مختلفة، أثرت ليس فقط داخل المملكة، وإنما امتد تأثيرها فى الواقع العربي والإسلامي المحيط، وقدمت التحولات السعودية نموذجًا على إمكان إدخال التغييرات في القراءات الدينية بالمجتمعات الإسلامية بقدر كبير من السلاسة والأمان والتراضي السياسي والاجتماعي، وقدمت المملكة نموذجًا على التغيير الطوعي والسلمي في المجتمعات الإسلامية في إطار الثوابت، وهو ما قدم صورة للإسلام أكثر اعتدالاً وتسامحًا وتماشيًا مع العصر.

وبالمقابل، تربط رؤية 2030 السعودية بطابعها القومي وشخصيتها وتاريخها الإسلامي، وتدمج الإسلام ضمن خطط التنمية وتدمج الأماكن المقدسة ضمن أطر التطوير المعماري، على نحو ما يتضح من أعمال تطوير الحرمين، ساعد على ذلك النموذج السعودي الجديد في ظل الرؤية الذي يتحقق فيه توازن الإسلام مع الترفيه والحياة، والسياحة الدينية مع أداء فريضة الحج، على نحو يخلق توازنًا مجتمعيًا وإنسانيًا خاصًا، ويتغلب على ثقوب وثغرات طالما شكلت تهديدًا لمستقبل المجتمعات المسلمة، ولمستقبل الإسلام ذاته. وكان الوصول إلى نقطة توازن هو أهم جديد طرأ على خصائص القوة الناعمة الحصرية للمملكة العربية السعودية. ويتسق مع ذلك القرارات الخاصة بضبط الفتاوى وأدوار المؤسسات الدينية، وإعلاء الروحانيات على حدية النصوص والفتاوى المتشددة. 

ويرتبط بالمكانة الدينية للمملكة، القوة الناعمة للدور الإنساني والإغاثي، المنطلق من وحي التعاليم الإنسانية للإسلام؛ هنا تلعب دول المجلس بلا استثناء دورًا إنسانيًا بالغ الأهمية على الصعيد الدولي. فهي من أكثر دول العالم من حيث الأعمال الإغاثية والمساهمات الإنسانية، فتقوم دول الخليج ومنظماتها الخيرية بمساعدة ملايين البشر في مختلف الدول حول العالم، وتتواجد بالعمل الإغاثي في مناطق الحروب والكوارث الطبيعية، وتمد يد العون لهم بكافة الصور. وكانت دول المجلس من أوائل الدول التي أنشأت المؤسسات الخيرية ومراكز الإغاثة التي تتميز بالفاعلية والمرونة والنشاط، وعملت على تطوير الشراكات مع المنظمات الرائدة في العمل الإنساني وتطوير آليات فعالة للاستجابة السريعة للتعامل مع الأزمات الإنسانية. وقد ظهرت القوة الإنسانية السعودية على المسرح العالمي عندما تحركت المملكة لإجلاء العالقين في السودان بعيدًا عن الأجندات السياسية أو العرقية، ففضلاً عما أبرزه تعاطي المملكة الإغاثي مع الأزمة، في إبراز صورة المجندات السعوديات وهن يستقبلن الفارين من نار الحرب من مختلف الجنسيات فوق السفن السعودية، فقد أبرزت عمليات الإغاثة دور الجيش السعودي كمؤسسة احترافية، من خلال عناصره التي باشرت عمليات النقل بسلاسة ودون إشكاليات في التأمين والأمن، وسط مستنقع الحرب، وكانت كلمات قائد الأسطول الغربي للمملكة لافتة، وهو ينقل تحيات خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده إليهم.

  1. القوة الناعمة السياسية والدبلوماسية: تتميز الدبلوماسية الخليجية بطابعها الخاص الذي يميزها عن غيرها من البلدان، ذلك أن أساسها الحكمة والاتزان في القرارات السياسية، واحترام المقامات واقتفاء التقاليد المدفوعة بسلطان الوقار والهيبة، التي يعود تاريخها إلى المقامات المحفوظة لشيوخ القبائل في الجزيرة العربية، وتتأسس سياسات دولها على التوفق البيني والرضا وتوازن المصالح. وقد تأكدت هذه التقاليد قبل تأسيس مجلس التعاون وبعده، وهو الذي حافظ دومًا على استقراره الداخلي والقواعد والأنظمة المرعية فيه. لذلك تندر الخلافات التي خرجت للعلن بين دول المجلس منذ نشأته، باستثناءات محدودة، لها ظروفها الخاصة، كان آخرها أزمة الرباعي مع قطر. وقد كرس ذلك صورة خاصة للشخصية الخليجية وحدد أنماط وأساليب تعاملات معها فرضتها هي ذاتها على الآخرين، الذي أصبح عليهم مراعاة التقاليد الخليجية عند تعاملهم مع دول الخليج.

وكان الجديد الأبرز في القوة الناعمة للدبلوماسية الخليجية، تحولها في السنوات الأخيرة من تأكيد خصوصية الطابع السياسي والدبلوماسي، إلى تنشيط قوتها في الوساطات في الأزمات الدولية، والسير بتوازن منضبط بين الأقطاب الدوليين مع الاحتفاظ بعلاقات قوية مع مختلف القوى، في الوقت نفسه بحسب المصلحة الخليجية في المقام الأول، وهو ما انتقل بالدبلوماسية الخليجية من مرحلة الكمون وإيثار السلامة إلى مرحلة التنشيط والتوظيف في الواقع الدولي والانخراط بمسؤولية في القضايا الدولية. وعلى الرغم من أن الدبلوماسية الخليجية (السعودية والعمانية والقطرية والكويتية)، نشطت قبل عقود في الوساطات بشأن الأزمات الإقليمية، إلا أن مبادرات دول المجلس في الحرب الروسية الأوكرانية ومبادراتها لإطلاق سراح الرهائن بين روسيا وأوكرانيا والرهائن الغربيين، ودبلوماسية التوازن التي أدارتها باقتدار بين الأقطاب الدوليين(روسيا، الصين، الولايات المتحدة)، مع احتفاظها بقوتها التأثيرية في علاقاتها معها جميعًا، وإقدامها على تفكيك الأزمات الإقليمية وفرض نهج المصالحات على الذات أولاً(على نحو ما انتهجت المملكة بسرعة لافتة في اليمن ومع تركيا وإيران ونحو سوريا)، ووساطتها -بالتشارك مع الولايات المتحدة- لأجل حل أزمة السودان، أكد أن الدبلوماسية الخليجية ومحورها القيادة السعودية أصبحت تشكل نقطة جذب وتأثير بالغة الأهمية، وأكد امتلاكها أوراق نفوذ على أطراف الصراعات وسلط الضوء على قدراتها التفاوضية الخاصة. وضمن هذا السياق، لا يخفى أن منطقة الخليج أصبحت مركزًا دوليًا للاجتماعات والمؤتمرات، وملتقى دبلوماسيًا كبيرًا، مع استضافتها المؤتمرات والمعارض والمسابقات الدولية الكبرى، وآخرها استضافة القمة الخليجية مع دول آسيا الوسطى في 19 يوليو 2023 في المملكة.

لا يفوت في هذه النقطة الإشارة إلى جانب بالغ الأهمية من ملامح القوة الناعمة في المجال السياسي والدبلوماسي، وهو المتمثل في القوة الدبلوماسية الخليجية التي لا تنضب من شخصيات الملوك والرؤساء وأولياء العهود والأمراء والشيوخ والمسؤولين من الوزراء والأسر الحاكمة، والذين ارتقوا مكانة مهمة في الواقع الدولي، وأصبحوا محل السمع والبصر في العالم، من شخصيات قوية تمتلك قدرات تفاوضية وإقناعية عالية، وهم يشكلون ذخيرة الدبلوماسية الخليجية في المؤتمرات الدولية. وبالتواصل مع ذلك أيضًا الشخصيات النسائية ممن تقلدن مناصب وزارية أو تمثيلية لبلدانها في الهيئات الدولية، وبعض دول الخليج لديها الآن خمس وزيرات في الحكومة(البحرين) أو أربع (الإمارات)، أو ثلاث(عمان وقطر)، أو وزيرة واحدة (الكويت)، تولين في الأغلب وزارات: التربية والتعليم والتعليم العالي، أو الصحة، أو الإسكان أو التنمية الاجتماعية، أو الأشغال العامة، أو وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي أو وزيرة تنمية المجتمع أو وزيرة التغير المناخي والبيئة، أو وزيرة دولة للتعليم العام والتكنولوجيا المتقدمة، وهناك عضوات بمجالس الدولة والشورى. وذلك يعزز صورة القوة الناعمة لدول مجلس التعاون الخليجي.

  1. القوة الناعمة للفن والثقافة والرياضة: لسنين طويلة جرى تصدير صورة لدول الخليج أقرب إلى الانغلاق والمحافظة والتشدد، وهذه الصورة لم تعكس حقيقة القوة الناعمة للمنطقة وكنوزها من هذه القوة في مجالات الفن والفكر والثقافة، وحتى تراثها في الملابس والأزياء والتقاليد والعادات وأذواق الطعام والشراب بحسب المناطق والقبائل. الآن ثمة جوانب مختلفة من هذا التراث الثري للمنطقة، أضيف إليه المساهمات التي أضافتها موجة الانفتاح الجديدة في مجالات التعليم والثقافة والفكر والفن والإعلام، والمرأة، والشباب، والترفيه. لقد تمكنت القنوات الفضائية الخليحية من تحقيق قوة تأثير مهمة على الصعيدين الداخلي والعربي، وبرز الفن الخليجي والصوت الغنائي الخليجي يعلو في سماء المنطقة، ترافق مع ذلك حفلات هيئة الترفيه وتصاعد دور السينما والمسرح بالسعودية، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الذي يستقطب أبرز الفنانين العرب، وعلى جانب آخر، برزت مراكز دراسات خليجية على قائمة أهم مراكز الدراسات في العالم، أسهم بعضها في إعداد الخطط والرؤى الوطنية 2030 و2040 و2050 و2070م.

ويبرز الاهتمام الخليجي بالصعود الدولي في المجال الرياضي والدبلوماسية الرياضية جانبًا آخر مهمًا من القوة الناعمة الخليجية، وتتسق مختلف سياسات دول المجلس بشأن ذلك، حيث تعتبر جميعها أن الاستثمار في الرياضة من أهم أدوات القوة الناعمة، وكان لافتًا إطلاق بعض دول المجلس استراتيجيات وطنية في مجال الرياضة. فقد حددت رؤية 2030 السعودية أهدافها في بناء قطاع رياضي فعال واقتصاد مزدهر، وأطلق الأمير محمد بن سلمان الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية، وأعلنت وزارة الرياضة السعودية في يونيو 2022، عن استراتيجية دعم الأندية في الموسم الرياضي 2022-2023. وفي يونيو 2023 أطلقت الإمارات الاستراتيجية الوطنية للرياضة- 2031 التي تهدف إلى تعزيز مشاركة دولة الإمارات في مختلف البطولات الدولية، بما في ذلك الألعاب الأولمبية، وترسيخ هوية عالمية للرياضة الإماراتية، وستنفذ الاستراتيجية 17 مبادرة تهدف إلى تبني نمط حياة نشط لأكثر من 71% من السكان، وتأهيل الرياضيين، واكتشاف المواهب الرياضية.

ويثير الانتباه أن أغلب هذه الاستراتيجيات الخاصة بالفن والرياضة والسينما ومراكز التفكير أصبحت مدمجة في المشروع التنموي للدول الخليجية؛ على نحو ما سلف التنويه إليه في الاستراتيجية الوطنية السعودية للألعاب والرياضات الإلكترونية.

  1. القوة الناعمة/ الصلبة(العسكرية): على الرغم من أن مفهوم القوة الناعمة قصد به جوزيف ناي، وضعه في مواجهة مفهوم القوة الصلبة، والتي قصد بها قوة الجيوش أو القوة العسكرية، إلا أن الجيوش والقوات المسلحة ليست منزوعة تمامًا من ملامح القوة الناعمة، فصورة الجيوش والانطباعات العامة عنها ومدى أخلاقيتها واحترافياتها، ومشاركاتها الدولية في مهام حفظ السلام، تمثل ملامح ناعمة في القوة الصلبة، تكسب الدول مكانة ونفوذًا، وتعزز صورتها الوطنية بسياج أخلاقي يزيد مناعتها العسكرية، ويسهم في بلورة صورة ممتزجة بين القوة العسكرية والقوة الأخلاقية.

وفي هذه النقطة، تشير مساهمات القوات المسلحة الخليجية في عميات حفظ وبناء السلام في مناطق مختلفة من العالم، وصورة الجيشين السعودي والإماراتي ودورهما العربي لأجل اليمن، والتعامل باحترافية في الأزمات، ومساعي توطين الصناعات العسكرية، وشراكات التصنيع الدفاعي، تشير جميعها إلى ملامح من القوة الناعمة للقوة الصلبة. وفي هذا السياق، فإن الصور التي تم بثها على نطاق واسع، والتي شوهدت فيها القوات السعودية وهي تقوم بإجلاء آلاف الأشخاص من بورتسودان إلى مدينة جدة الساحلية، في رحلة استغرقت 12 ساعة عبر البحر الأحمر، عكست قدرًا من التنظيم والاحترافية في الجيش السعودي، مع وضع موارد المملكة الكبيرة في البحر الأحمر تحت تصرف المجتمع الدولي للمساعدة.

وفي هذه النقطة أيضًا يمكن إضافة القوة الناعمة للاقتصاد والتنمية والرخاء، وشراكات الدول الخليجية الاستثمارية والتكنولوجية مع الدول الأخرى بمليارات الدولارات، والتحرك الاقتصادي الناعم لدول المجلس خاصة السعودية والإمارات لإبرام شراكات اقتصادية كبرى مع الصين وروسيا والولايات المتحدة واليابان وآسيا الوسطى.

الخلاصة

يتضح مما سبق أن القوة العسكرية ذاتها يمكن أن تصبح مداخل وأدوات للقوة الناعمة لو أحسن توظيفها. والقوة الناعمة/ الصلبة لا تعني الاستسلام أو تبني روح انهزامية إزاء عدوان عسكري أو تحدي إقليمي، بل إن قدرة الدولة على الدفاع عن ذاتها وعن دوافعها في قراراتها السياسة والعسكرية، وفق أسس أخلاقية واستراتيجية وسياسية، تشكل جزءًا من قوتها الناعمة، كما أن قدرة الدول على تبني القرارات السياسية والعسكرية الصحيحة في الوقت المناسب هي جزء من قوتها الناعمة، من هذا المنطلق يمكن القول بأن قرارات المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بإنهاء الحرب في اليمن، عززت كثيرًا من القوة الناعمة السعودية، وقلصت مجالات ومداخل استهداف المملكة بدعايات سلبية تنال من قوتهما الناعمة. ولم يكن غريبًا أن تنطلق السعودية وتتحرر كثيرًا من تلك القيود مع إقرار الهدنات والتسوية، التي مكنت من بروز أشكال القوة الناعمة للمملكة ورؤية 2030 في أبهى صورها. 

ومثلما هناك تمازج بين صور القوة الناعمة الخليجية وتأثير متبادل فيما بينها، هناك تأثير هائل من القوة الناعمة الخليحية على المحيطين العربي والإقليمي، ذلك أن كافة سياسات القوة الناعمة الخليجية وإدارتها تتم في وسط إقليمي تؤثر فيه ويؤثر فيها. ويكرس التنافس الاقتصادي روح المنافسة البناءة في الإقليم، ويحرك القوة الراكدة في المجتمعات ويدفعها للتنافس، فالتغييرات في السعودية أحيانًا تخلق حساسيات، ولكنها في أغلبها تخلق تحديات إيجابية.

مجلة آراء حول الخليج