array(1) { [0]=> object(stdClass)#12962 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 190

فرص واعدة للتعاون الخليجي ـ اللاتيني في الصناعة والزراعة والاستثمار وتنتظر التنفيذ

الأربعاء، 27 أيلول/سبتمبر 2023

فرضت جائحة كوفيد – 19 والحرب الأوكرانية تحديات هائلة على مختلف دول العالم، واستدعت الحاجة إلى تنويع الموردين الخارجيين وتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع والمنتجات الحيوية. وإدراكًا لأهمية توطين الصناعات الاستراتيجية وتحقيق التنويع الاقتصادي باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للنمو الاقتصادي المستدام، تُمضي دول مجلس التعاون الخليجي قدمًا في جهودها الرامية إلى تعزيز شراكاتها الصناعية مع مختلف الدول، ومن بينها بلدان أمريكا اللاتينية، لما تتمتع به من قدرات صناعية متطورة، خاصة في مجال الغذاء والأدوية والسيارات، فضلًا عما يتوافر لديها من إمكانيات كبيرة وواعدة لنمو الصناعات التي ستشكل مستقبل العالم، خاصة صناعة الهيدروجين الأخضر وإنتاج الطاقة المتجددة.        

دوافع دول مجلس التعاون وأمريكا اللاتينية لتعزيز التعاون الصناعي

هناك عدة عوامل تُرجح إيلاء دول مجلس التعاون وأمريكا اللاتينية، خلال الفترة المقبلة، اهتمامًا أكبر بتكثيف التعاون في مجال الصناعة، لعل من بينها:

1-الحاجة إلى التنويع الاقتصادي

على الرغم من التقدم الذي أحرزته دول المجلس في تنويع اقتصاداتها، لا يزال القطاع النفطي يُسهم بنسبة مرتفعة من الناتج المحلّي الإجمالي في معظم تلك الدول، وبلغت هذه النسبة 41.4 % في قطر، و35.7 %في عمان، بينما وصلت إلى 27.4% في السعودية، و15.6 % في البحرين، وذلك في الربع الرابع من عام 2022م، بينما بلغت هذه النسبة 26.4% في الإمارات خلال الربع الأول من العام نفسه، وذلك وفقَا للمركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وتُمثل المنتجات النفطية 62.2 %من إجمالي الصادرات السلعية لدول المجلس والبالغ قيمتها 668.6 مليار دولار، بينما تشكل الصادرات غير النفطية 22.2 %من إجمالي الصادرات السلعية، وفقًا لبيانات المركز الإحصائي لعام 2021م.

 وينطبق الأمر نفسه على بلدان أمريكا اللاتينية؛ حيث تمثل الزراعة 5-18% من الناتج المحلي الإجمالي في 20 بلدًا في أمريكا اللاتينية والكاريبي، كما توفر نحو 15% من فرص العمل في المنطقة، وفقًا لبيانات البنك الدولي لعام 2021م.

ومن اللافت للنظر أن المواد الخام والسلع الأولية تُهيمن على التجارة الثنائية بين بلدان أمريكا اللاتينية ودول مجلس التعاون الخليجي. وفقًا لتقرير صادر عن غرفة تجارة دبي ومجلة الإيكونوميست عام 2022م، حول التعاون التجاري والاستثماري بين الجانبين، فإن صادرات أمريكا اللاتينية لدول المجلس، تتألف بشكل خاص من الذهب واللحوم والحديد الخام والحبوب والسكر والقهوة. تعتبر الأسمدة من أكبر صادرات دول مجلس التعاون إلى أمريكا اللاتينية، إلى جانب البوليمرات البالستيكية والألومنيوم والأمونيا والنفط. تتركز استثمارات دول الخليج في أمريكا اللاتينية بشكل أساسي في الخدمات اللوجستية والتوزيع والنقل، وليس في الإنتاج الصناعي. لذا، فمن شأن التعاون الصناعي بين الجانبين أن يُسهم في تقليل الاعتماد الاقتصادي على المواد الخام والسلع الأولية من النفط أو المواد الغذائية، مما يحد من التأثيرات السلبية لتقلبات الأسعار في الأسواق العالمية.

2-الاستفادة من المزايا النسبية

يُوفر التعاون الصناعي بين بلدان مجلس التعاون وأمريكا اللاتينية، فرصة مهمة للاستفادة الكاملة من المزايا النسبية والتنافسية التي يتمتع بها الجانبان. لدى دول المجلس قوة مالية كبيرة بناتج محلي إجمالي بلغ 1.5 تريليون دولار، وعدد سكان وصل إلى 56.4 مليون نسمة في عام 2021م، كما بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في مجلس التعاون، 29.7 ألف دولار، وهو ما يعكس القوة الشرائية المتزايدة للمستهلكين.

بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية فلديها عدد من المزايا التنافسية المهمة، مثل: وفرة الموارد الطبيعية والخامات، والقوة البشرية المؤهلة والمدربة تدريبًا عاليًا، إضافة إلى حجم السوق الضخم، بعدد سكان يبلغ حوالي 660 مليون نسمة، نصفهم تقريبًا في سن العمل (315 مليون نسمة). إضافة إلى تطور قطاعها الصناعي؛ حيث شكلت صادراتها من السلع المصنعة 51% من إجمالي صادراتها السلعية عام 2022م، وفقًا لبيانات البنك الدولي، كما بلغت حصة الصناعة 29.89% من الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي عام 2021م، وفي ترتيب البنك الدولي لأقوى دول العالم التي لديها صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة عام 2022م، جاءت المكسيك في المركز التاسع، بينما احتلت البرازيل المركز الثالث عشر عالميًا.

من الواضح أن العلاقات الاقتصادية بين دول المجلس وأمريكا اللاتينية، يمكن أن تدعم الصناعات الوطنية في الجانبين؛ إذ تستورد دول مجلس التعاون الخليجي خام الحديد من أمريكا اللاتينية، والذي يمثل 9% من إجمالي وارداتها من المنطقة. تُستخدم هذه المادة في صناعة منتجات الألمنيوم، والتي يتم تصديرها بعد ذلك إلى أمريكا اللاتينية. إضافة إلى أن الأسمدة والأمونيا المصدرة من دول مجلس التعاون الخليجي لأمريكا اللاتينية تُستخدم في دعم القطاع الزراعي هناك.

3-تعظيم المكاسب المشتركة

يمكن أن يُؤدي تكامل جهود دول مجلس التعاون وأمريكا اللاتينية في المجال الصناعي، إلى تعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الوطنية وفي صدارتها تحقيق الأمن الغذائي، وهي قضية توليها بلدان مجلس التعاون أهمية خاصة، إضافة إلى دعم جهودها الرامية إلى توطين الصناعات الاستراتيجية. في عام 2021م، أطلقت دولة الإمارات، الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، والتي تستهدف رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من 133 مليار درهم إلى 300 مليار درهم (81.68 مليار دولار)، بحلول 2031م، أي أكثر من ضعف المساهمة الحالية لقطاع التصنيع في الاقتصاد المحلي. وأطلقت المملكة العربية السعودية برنامج "صنع في السعودية"، والذي يهدف إلى دعم الصناعات لتنمية بصمتها المحلية وتعزيز الصادرات إلى الأسواق ذات الأولوية.

وبموجب رؤية قطر الوطنية 2030، من المتوقع أن يوظف قطاع التصنيع في البلاد أكثر من 100,000 شخص بحلول عام 2025م، وسيشهد زيادة بنسبة 30% في قيمة الإنتاج بين عامي 2019 و2025م، لتحقيق هذا الهدف، تم التفكير في إنشاء مختبر تصنيع حديث لتصميم المنتجات ونمذجتها الأولية، كما تم إطلاق مصنع نموذجي "Fab Lab" في فبراير 2021م، وتتمثل مهمة المصنع، الأول من نوعه في دول مجلس التعاون الخليجي، في تدريب رواد الأعمال وصغار المصنعين على تحسين العمليات والتحول الرقمي.

أما دول أمريكا اللاتينية، فتسعى إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بهدف معالجة شواغلها الاجتماعية والاقتصادية الملحة، بما في ذلك إنعاش الاقتصاد القومي والحد من معدل الفقر، والذي بلغ 32.3% من إجمالي سكان المنطقة، في حين كان معدل الفقر المدقع 12.9%، في عام 2021م، وفقًا للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية والكاريبي.

بناء على ذلك، من المرجح أن تدعم الشراكة الصناعية، مساعي الجانبين إلى تحقيق عدة أهداف، مثل: تعظيم مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي وتوفير فرص عمل للشباب وزيادة الإنتاج المحلي ورفع كفاءته، خاصة للمنتجات ذات الأولوية كالأدوية والأغذية، إلى جانب توسيع النطاق الجغرافي لتداول السلع المصنعة وتقليل الواردات، مما يُفضي في نهاية المطاف إلى تحقيق تنمية مستدامة لشعوب الطرفين.

أبرز المجالات المحتملة للتعاون الصناعي

هناك بعض المجالات التي يمكن أن تحقق فيها بلدان دول مجلس التعاون وأمريكا اللاتينية شراكة صناعية تكاملية، ومن بينها:

1-الصناعات الغذائية

تأتي الصناعات الغذائية في مقدمة مجالات التعاون التي تحظى باهتمام الدول الخليجية واللاتينية، وذلك بالنظر لإدراك دول مجلس التعاون الخليجي لأهمية تنويع الموردين للمواد الغذائية والمنتجات الحيوانية وتطوير سياسات الاكتفاء الذاتي من هذه المنتجات. على سبيل المثال، تستهدف السعودية توطين نسبة 85% من الصناعات الغذائية بحلول عام 2030م، وذلك من خلال تفعيل الشراكات الاستراتيجية المحلية والدولية، من بين أمور أخرى.

في إطار التحديات المتعلقة بسلاسل التوريد العالمية والارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية، بفعل الحرب في أوكرانيا وجائحة كوفيد-19، فإن التعاون في مجال الصناعات الغذائية مع بلدان أمريكا اللاتينية، من شأنه أن يدعم جهود دول المجلس في ضمان أمنها الغذائي. يأتي هذا في ظل ما تشكله أمريكا اللاتينية والكاريبي من قوة عالمية للإنتاج الزراعي والغذائي، ولكونها مصدر صاف للمنتجات الزراعية والغذائية. وفقًا لبيانات منظمة الفاو، تمثل المنطقة في الوقت الحالي 14% من الإنتاج الزراعي العالمي و23% من صادرات السلع الزراعية والسمكية العالمية. تفوقت البرازيل مؤخرًا على الولايات المتحدة كأكبر مصدر عالمي للذرة، وهي أيضًا أكبر منتج ومصدر للحوم الحلال إلى العالم، وخاصة لدول الخليج؛ حيث تمثل اللحوم 15% من إجمالي صادرات أمريكا اللاتينية لدول مجلس التعاون.

وبالمثل، فإن أكبر الاستثمارات الأجنبية المباشرة لأمريكا اللاتينية في دول مجلس التعاون الخليجي تعود لشركة BRF البرازيلية، وهي واحدة من أكبر شركات تصنيع الأغذية في العالم ومورد رائد للدواجن إلى أسواق دول الخليج. وخلال السنوات القليلة الماضية، أسست الشركة مصانع لمعالجة الأغذية في كل من السعودية والإمارات، كما وقعت في عام 2022م، مذكرة تفاهم لإنشاء مشروع مشترك مع شركة سالك السعودية، يركز على إنتاج الدجاج في المملكة. علاوة على ذلك، تمتلك سالك حصة كبيرة تبلغ 33.83% في شركة مينيرفا فودز، وهي شركة برازيلية بارزة للحوم. في مايو 2022م، استحوذت شركة JBS البرازيلية على منشأتين لتجهيز الأغذية في الإمارات والسعودية. كما أعلنت الشركة عن إنشاء شبكة توزيع خاصة بها في البلدين وكذلك الكويت.

2-الصحة والمستلزمات الطبية

سلطت أزمة كوفيد – 19 الضوء على حاجة مختلف الدول إلى تعزيز قدراتها الوطنية على تصنيع اللقاحات والمستلزمات والأجهزة الطبية، وتنشيط التكامل بين الشركاء الاقتصاديين في مجال تصنيع الأدوية، بما يعزز القدرة على المرونة والاستجابة السريعة للأزمات الصحية الطارئة.

تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي أحد أسرع الأسواق نموًا في قطاع المنتجات الدوائية، وتُشير التقديرات الحالية إلى أن قطاع صناعة الأدوية في دول المجلس يبلغ قيمته حوالي 20 مليار دولار، وتبلغ قيمة هذه الصناعة في السعودية (8 مليارات دولار). وبالرغم من ذلك، يتم استيراد 80% من المنتجات الدوائية من خارج المنطقة، وهو ما يدل على الحاجة الماسة لزيادة الإنتاج المحلي من هذه المنتجات الاستراتيجية. وفقًا لـ  The Economist Intelligence Unit، خصصت الحكومة السعودية حوالي 18.5 مليار دولار لتطوير قطاع الأدوية على مدى السنوات العشر المقبلة لدفع النمو في صناعات الأدوية والأجهزة الطبية المحلية والموجهة للتصدير بحلول عام 2030 وتقليل الاعتماد على الواردات.

من ناحية أخرى، فإن لدى بعض بلدان أمريكا اللاتينية خبرة جيدة في مجال تصنيع اللقاحات والأدوية. يعد قطاع الرعاية الصحية في البرازيل الأكبر والأكثر تقدمًا في المنطقة، حيث يمثل 1.6 % من إجمالي الناتج المحلي لقطاع الرعاية الصحية في العالم، تليها المكسيك (0.34 %) والأرجنتين (0.23 %). تتصدر البرازيل مجال التكنولوجيا الحيوية وتنتج-منذ عدة عقود-اللقاحات والأدوية المخصصة لعلاج مجموعة واسعة من الأمراض، وهي مصدر رئيسي للمواد الخام والمكونات الصيدلانية النشطة، بنسبة ( 0.3%) من الصادرات العالمية من هذا النوع من السلع في عام 2020م، وفقًا لتقرير صادر عن غرفة تجارة دبي ومجلة الإيكونوميست عام 2022م.

يُسهم القطاع الصحي في المكسيك بنحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن خلال الاستفادة من تكامل سلاسل التوريد في أمريكا الشمالية، والقرب الجغرافي من الولايات المتحدة، زادت صادرات المكسيك من الأجهزة الطبية لتمثل 2.5% من إجمالي الصادرات العالمية لعام 2020م، والتي تقدر بحوالي 17 مليار دولار. وفقًا لمركز ويلسون الأمريكي للبحوث، ساعدت صناعات العلوم الصحية في المكسيك، الولايات المتحدة على معالجة تزايد عدد حالات الإصابة خلال جائحة كوفيد – 19، من خلال زيادة الطلب على الأجهزة الطبية، خاصة أجهزة التنفس الصناعي الذي طورها الباحثون في المكسيك. أما كوستاريكا فلديها صناعة كبيرة في مجال التكنولوجيا الحيوية، وتمثل صادراتها من التكنولوجيا الحيوية أكثر من ثلث إجمالي صادرات البلاد.

من هذا المنطلق، وقعت شركة الخدمات البيطرية السعودية MAS في يونيو 2021م، اتفاقية مع شركة التكنولوجيا الحيوية الأرجنتينية Biogenesis Bago لإنشاء أول مصنع لتصنيع اللقاحات الحيوانية في البلاد باستثمارات بقيمة 60 مليون دولار. وستنتج المنشأة، التي من المتوقع أن تستغرق ثلاث سنوات حتى تكتمل، 200 مليون جرعة سنويًا من لقاح الحمى القلاعية، وهي قدرة ستلبي الطلب المحلي وتسمح بالتصدير للخارج.

3-الطاقة المتجددة

يُمثّل قطاع الطاقة ركيزة مهمة للاقتصادات الخليجية. مع ذلك، فإنها تدرك أهمية خفض الانبعاثات الكربونية وتنويع مصفوفة الطاقة الخاصة بها، بما يصب في جهودها الرامية إلى الحد من مخاطر التغيرات المناخية. لدى دول مجلس التعاون خطط للتوسع الكبير في مشاريع الطاقة المتجددة، بما في ذلك تطوير محطات الطاقة الشمسية وزيادة إنتاج الهيدروجين الأخضر. تخطط السعودية لتوليد نحو 50% من الكهرباء عبر مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030م، بينما تستهدف استراتيجية الإمارات للطاقة لعام 2050م، زيادة حصة الطاقة النظيفة ضمن إجمالي مزيج الطاقة من 25% إلى 50% بحلول عام 2050م. ويتوقع البنك الدولي أن الاستثمار في الاقتصاد الأخضر، سيزيد معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى أكثر من 13 تريليون دولار بحلول عام 2050م. 

من المرجح أن تعمل دول مجلس التعاون الطامحة إلى التحول إلى الطاقة النظيفة ومكافحة التغير المناخي، على تعزيز علاقاتها مع الأسواق الاستراتيجية، كأمريكا اللاتينية التي تتوافر لديها الإمكانات اللازمة لقيادة التحول العالمي إلى الطاقة المتجددة؛ إذ ينتشر على نطاق واسع استخدام تقنيات الطاقة المتجددة أو منخفضة الكربون. لدى المنطقة واحدة من أنظف مصفوفات الطاقة عالميًا، يأتي نصف الكهرباء تقريبًا من مصادر نظيفة. في البرازيل، يتم توفير 65% من الكهرباء من محطات الطاقة الكهرومائية (مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 15% فقط)، كما إنها ثاني أكبر منتج عالمي للإيثانول (الوقود المصنع من قصب السكر)، بعد الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى البرازيل، فإن باراغواي تولد أعلى نسبة من الطاقة المتجددة للفرد في العالم وهي رابع أكبر مصدر للكهرباء في جميع أنحاء العالم، ولا تتجاوزها سوى فرنسا وألمانيا وكندا. تتمتع البلاد بالقدرة على إنتاج خمسة أضعاف احتياجاتها الوطنية من الكهرباء وتحتوي على المحطة التي تولد أكبر حجم من الطاقة الكهرومائية على هذا الكوكب. ووفقًا لأحدث البيانات، تمتلك أمريكا اللاتينية 60% من جميع موارد الليثيوم المحددة حول العالم، والتي تتركز بالأساس في بوليفيا والأرجنتين وشيلي. من المتوقع أن تنمو صناعة الليثيوم بنحو ثمانية أضعاف بحلول عام 2027م، بسبب استخدامه في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، التي ستكون مكونًا أساسيًا لأنظمة الطاقة النظيفة في المستقبل.

في هذا الإطار، تمَ الاتفاق في 17 أبريل 2023م، على هامش زيارة الرئيس البرازيلي "لولا دا سيلفا" إلى دولة الإمارات، على قيام شركة الطاقة "أسيلين" التابعة لشركة مبادلة للاستثمارات المالية باستثمار 2.5 مليار دولار على مدى العقد المقبل في مشروع إنتاج وقود الديزل الحيوي في شمال شرق البرازيل، وذلك عبر الاستفادة من إمكاناتها الزراعية باستخدام زيوت فول الصويا والزيتون وغيرها، على أن يبدأ الإنتاج في الربع الأول من عام 2026م،  من المرجح أن يولد المشروع مليار لتر من الوقود النظيف سنويًا، ويضخ 17.3 مليار دولار في الاقتصاد البرازيلي، ويخلق 90 ألف فرصة عمل، ويقلل من انبعاثات الكربون بنسبة تصل إلى 80%. وفي ديسمبر 2022م، حصلت الشركة المطورة لحلول الطاقة المستدامة (FRV)، التابعة لشركة عبد اللطيف جميل السعودية، على الترخيص البيئي الأولي لتطوير مزرعة شمسية جديدة في البرازيل. سيوفر المشروع الطاقة لأكثر من 400 ألف منزل في ولاية سيارا، شمال شرق البلاد.

بصفة عامة، يمكن أن تستند الشراكة بين دول مجلس التعاون وأمريكا اللاتينية في هذا القطاع الحيوي إلى تبادل المعارف والخبرات، نقل التكنولوجيا، والتمويل، على نحو يؤسس لتعاون مستدام في منظومة الطاقة المتجددة بأكملها، بما في ذلك تطوير البنية التحتية اللازمة للإنتاج، والتخزين، والتحويل، والنقل، والتبادل، وإعادة التحويل، والتصنيع والخدمات في سلسلة القيمة، وأنشطة الأبحاث والتطوير المشتركة.

4-صناعة السيارات

تستهدف بعض دول مجلس التعاون، وفي مقدمتها السعودية، توطين صناعة السيارات وتجميعها، تهدف رؤية المملكة 2030 إلى تعزيز تصنيع السيارات، إلى جانب سلاسل التوريد المحلية. من المتوقع أن يولد قطاع صناعة السيارات 60 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة في المملكة بحلول عام 2030م، وفي يناير 2022م، وضع حجر الأساس لأول مصنع لتجميع سيارات الركاب في مدينة الجبيل الصناعية بالسعودية.

في هذا الإطار، يمكن إقامة شراكة في مجال تصنيع السيارات بين السعودية والمكسيك، بحيث تشمل بناء مصنع للتجميع الكامل للسيارات وجلب المعرفة وتطوير القوى العاملة. يعد قطاع السيارات أحد أهم الصناعات في المكسيك، حيث يسهم بنحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، و20% من الناتج المحلي الإجمالي للتصنيع، ويعمل به أكثر من مليون شخص. وقد نجحت المكسيك مؤخرًا في أن تصبح أكبر مصدر للسيارات إلى السوق الأمريكية. وفقًا لوزارة التجارة الأمريكية، تعد المكسيك سابع أكبر مصنع عالمي لسيارات الركاب، حيث تنتج ما يقرب من ثلاثة ملايين سيارة سنويًا. يتم تصدير 90% من إنتاجها المحلي للخارج، كما إنها سادس أكبر مصنع للمركبات الثقيلة للبضائع، حيث تستضيف 14 مصنعًا ومجمعًا للحافلات والشاحنات وشاحنات الجرارات والمحركات.

وفي أكتوبر 2022م، أعلنت شركة كافاك المكسيكية، إحدى كبرى الشركات الناشئة في مجال بيع وشراء السيارات المستعملة في أمريكا اللاتينية بقيمة تسويقية تبلغ 8.7 مليار دولار، عن بدء خدماتها في الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، كخطوة أولى ضمن خطط كبيرة للتوسع في دول مجلس التعاون الخليجي، تليها المملكة العربية السعودية. وتخطط كافاك لاستثمار 130 مليون دولار على مدى العامين المقبلين لبناء أكبر مراكز تجديد السيارات في دول الخليج، مع خطط لتوظيف أكثر من 1000 شخص، وذلك بعد الاندماج مع شركة كارزاتي العمانية.

من جملة ما سبق يمكن القول إن دول مجلس التعاون وأمريكا اللاتينية أدركت خلال الفترة الأخيرة أهمية تنشيط التعاون في مجال الصناعة، وعلى الرغم من الجهود المبذولة في هذا الصدد، فإنها لا تزال ناشئة إلى حد كبير، كما إنها تركز على بعض القطاعات وكذلك الدول دون غيرها. علاوة على أن التعاون بين الجانبين، لا يزال قاصرًا إلى حد كبير على الصناعات التقليدية، وليس هناك اهتمام كافٍ -حتى الآن-بتطوير التعاون في المجالات الناشئة، كالتصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتكنولوجيا الطبية ومستقبل التنقل والاستدامة. وهو الأمر الذي يتطلب اتخاذ مزيد من الإجراءات لتكثيف هذا التعاون وتوسيع نطاقه، والتي من بينها: زيادة اتفاقات التعاون في مجال الاستثمار، واعتماد ممارسات تجارية وتنظيمية جيدة بشأن القضايا ذات الاهتمام الثنائي، فضلاً عن إنشاء قنوات اتصال فعَالة بين الشركات والمستثمرين من الجانبين. بالإضافة إلى الاهتمام ببرامج نقل التكنولوجيا وبناء القدرات لتحسين أنظمة ونتائج تعليم وتدريب المواطنين.


 

مقالات لنفس الكاتب