array(1) { [0]=> object(stdClass)#12962 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 190

غياب الرئيس الصيني عن قمة الهند لتفادي "حرج" منافسة الممر للحزام والطريق

الأربعاء، 27 أيلول/سبتمبر 2023

انعقدت في الهند القمة الثامنة عشر لمجموعة العشرين (G20) بعد ساعات قليلة من نهاية أعمال قمة الآسيان في جاكرتا، القمة جاءت في ظل ما يشهده العالم من إعادة رسم التوازنات الجيو سياسية التي ظلت ثابتة لثلاثة عقود، وتداعيات هذه التحولات على مستقبل النظام الدولي المرتهن إلى القطبية الأمريكية الأحادية، في ظل ارتفاع نسق التنافسية الدولية حول عديد الملفات الساخنة التي تقودها رغبة بعض القوى الكبرى والإقليمية الصاعدة والتكتلات الإقليمية والدولية في الدفع نحو المزيد من التوازن في النظام الدولي.

نظريًا تعدّ مجموعة العشرين المظلة الشاملة بعد الأمم المتحدة والتي تمثل منصة جامعة لقاطرة القيادة العالمية كاملة، وفيها تجتمع التحالفات والتحالفات المضادة، فمن "مجموعة السبع " التي  تضم ثلاث قوى نووية لها عضوية في مجلس الأمن، إلى "بريكس" التي تضم ثلاث قوى نووية وعضوين في مجلس الأمن، ومن البنك وصندوق النقد الدوليين إلى بنك التنمية الجديد لبريكس، كلها تجسّد نظريًا شمولية مجموعة العشرين التي تسيطر على 84% من إجمالي الناتج المحلي العالمي وزهاء 79% من التجارة العالمية وقُرابة 65% من سكان العالم وأكثر من 60% من مساحة دول العالم.

القمة تعقد في ظل ظروف إقليمية ودولية لم تشهدها طوال قممها السبعة عشر السابقة، فرضها صراع إعادة التوازن العالمي الجاري بين القوى الكبرى والتكتلات التي تقودها والراغب في أحد أهدافه في الدفع نحو ولادة نظام دولي أكثر توازنا متعدّد الأطراف، لا يرتهن بالضرورة إلى حتمية القطبية الأحادية ولا يبتغي بالضرورة ثنائية تحصر الفواعل الكبرى والإقليمية في تكتلين لا ثالث لهما، فمن ملف الصراع في أوكرانيا إلى توسيع تحالف بريكس إلى احتدام الصراع في إفريقيا على مخلفات التراجع الفرنسي الكولنيالي إلى ملف إعادة التوازن داخل مجموعة العشرين نفسها بعد قبول عضوية الاتحاد الإفريقي، هي كلها مستجدّات حملت معها رهانات جديدة رغم كل ما تكتنفه في ثناياها من تناقضات أصبحت بعضها غير خافية كتعبير عن الصراع الدائر المعلن عنه أو المكتوم في البنية الدولية الراهنة.

بغض النظر عن حالة اللا تجانس التي تكتنف مجموعة العشرين فضلًا عن الاختلاف النسبي أو المطلق الذي يطغى على توجهات أعضائها، رغم كل محاولات الموازنة في عضويتها (ثمانية مقابل ثمانية) بين الشمال الذي يشغل سبعة مقاعد إضافة للاتحاد الأوروبي والجنوب الذي عزّزت عضوية الاتحاد الإفريقي ليكون المقعد المفقود سابقًا للموازنة مع الشمال، في حين تبقى دول مثل المكسيك وتركيا وأستراليا وحتى روسيا وبدرجة أقل كوريا الجنوبية من الصعب إخضاعها لمعيار شمال/ جنوب في التقسيم السابق نظرًا لتوجهاتها السياسية وإمكاناتها الاقتصادية والصناعية المتناقضة مع السياق العام لموقعها الجغرافي، وهي توازنات ورغم أهميتها إلا أنها لا ترقى إلى مصاف التعويل عليها لتكون بوابة نحو تفعيل مخرجات قمم العشرين القادمة.  

ملفات متعدّدة تقليدية وأخرى مستحدثة كانت ضمن أجندة قمة "نيودلهي"، فالقمة بحثت قضايا: المناخ ـ الأمن الغذائي العالمي – أزمات التمويل والديون – التنمية المستدامة – تعزيز النمو الاقتصادي العالمي – التكنولوجيا والبنى الرقمية – تمكين المرأة – مواجهة التهديدات العالمية – الطاقة والوقود الحيوي – الاقتصاد الأخضر وغيرها من ملفات، وهي ملفات بعضها قديم حديث وآخر مستحدث، إلا أنها وفي نفس الوقت مواضيع ثبُت من التجارب السابقة صعوبة معالجتها في إطار G20 بالنظر لحجم التضارب في الرؤى حول سبل معالجتها فضلاً على تسييس هذه الملفات والقضايا من منطلق تغليبها لمنطق التنافس والصراع عِوض التعاون والتكامل، وما اتفاقيات المناخ المعلن عنها في القمم السابقة والتي ظلت حبيسة الحسابات الجيو سياسية والجيو اقتصادية إلا أكبر دليل على ذلك.   

كثيرة هي الدلالات التي ارتبطت بالسياق العام لقمة نيودلهي وطغت على أجندة عمل القمة ومخرجاتها وما وقع على هامشها تأثيرًا وتأثرًا، إلا أن أهمها كان: غياب الرئيسين الصيني والروسي ـ توسيع عضوية بريكس ـ عضوية الاتحاد الإفريقي - حدود التقارب والتنافر في العلاقات الصينية الهندية والبعد الغربي فيها – موقع الهند في مستقبل التنافس الصيني الأمريكي - تعاظم دور القوى الإقليمية الصاعدة في التأثير على التوازنات الدولية والإقليمية (مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا)، وهي دلالات تفتح الباب أمام جملة من التكهنّات حول مصير العمل العالمي المشترك ضمن مجموعة العشرين التي تعتبر منتدى للقيادة العالمية المشتركة.

 

  • غياب قادة الصين وروسيا/ الرسائل والأبعاد

المنظور الصيني / الروسي الذي يرى مجموعة العشرين على أنها امتداد موسّع لمجموعة السبع لطالما كان المحدّد الرئيسي في دور وموقف الصين وروسيا في هذه المجموعة، وهو طرح لا يمكن إنكاره بحكم أن مجموعة العشرين التي وُلدت من رحم مجموعة السبع التي تعدّ ومنذ تأسيسها سبعينات القرن الماضي هيكلًا سياسيًا برداء اقتصادي، تعتبر في نظر الكثيرين مجرد توسيع عضوية هدفه زيادة عدد الشركاء لتخفيف الأعباء وللحفاظ على هيمنتها النقدية والتجارية على كل مفاصل الاقتصاد العالمي، وهنا كان الحل في ضم بعض الاقتصادات الناشئة التي نالت عضوية المجموعة بمباركة من أعضاء مجموعة السبع، وقد سيطر هذا التوجّس وما زال على رؤية الصين وروسيا للمجموعة كواجهة للغرب الإمبريالي الراغب في استمرار هيمنته عبر الاستحواذ على الأرباح والمزايا من جهة وتقاسم المسؤوليات والتبعات مع باقي أعضاء المجموعة من جهة أخرى، إلى أن جاءت الظروف الإقليمية والدولية اللازمة والموائمة للتعبير عن هذا المنظور عبر مقاطعة رئيسي البلدين لقمة نيودلهي.

رسائل عديدة حملها غياب الرئيسين الصيني "شي جين بينغ" والروسي "فلاديمير بوتين" عن القمة، وإذا كان غياب الأخير كان أمرًا متوقعًا بالنظر لغيابه عن العديد من المحطات الدولية خلال الأشهر الماضية وإرهاصات مذكرة التوقيف الدولية في حقه، والتي كان أهمها غيابه عن قمة "البريكس" الأخيرة في جنوب إفريقيا، ورغم عدم انتساب الهند للجنائية الدولية كما هو الحال بالنسبة لجنوب إفريقيا، إلا أن الاهتمام كان منصبًا أكثر عن الغياب الفجائي للرئيس الصيني الذي لم يعلن عنه رسميًا إلا فترة وجيزة قبل القمة خاصة وأن الأخير داوم على حضوره القمة منذ توليه الرئاسة في الصين، ووسط القراءات المتباينة لهذا الغياب الثنائي بين من يرى أنه أمر وارد وعادي عن قمة تعدّ واجهة مشتركة للقيادة العالمية بكل أطرافها، ومن يرى أن الهدف الأوحد للصين كان "إفشال القمة" وإفراغ مخرجاتها من أي محتوى عالمي مؤثر، خاصة مع ورود معلومات عن "تذمر" الصين من مشروع الممر الاقتصادي الرابط بين الهند والاتحاد الأوروبي عبر الشرق الأوسط،  إلا أن الثابت أن أهم ما قد يُقرأ من وراء هذا المشروع هو أمرين:

 

الأول/ الصين والهند في ميزان التوافق والاختلاف

عودة حالة الاستقطاب الثنائي بين الصين والهند بأبعاده الإقليمية والدولية مدفوعًا بالتحولات الجارية سواء ما ارتبط بإعادة تموضعهما في تحالفاتهما الإقليمية (التقارب الصيني / الباكستاني) أو الدولية (التقارب الهندي / الأمريكي)، وهو الأمر الذي تجّلى مؤخرًا في توسيع عضوية بريكس حين كان من ضمن معايير انتقاء العضوية معيار التوازن الداخلي بين حلفاء كل من الهند والصين داخل البريكس، كما لا يغيب المحدّد الغربي عن تصاعد التوتر الهندي الصيني، فتصاعد التنافس الغربي/ الصيني حول عديد الملفات الجيو سياسية (تايوان - بحر الصين – المحيطين الهندي والهادي) والجيو اقتصادية (الحرب التجارية بين الصين وأمريكا – تجاوز نظام سويفت – تنامي قوة الصين في التجارة الدولية)، وفي مقابل ذلك تسعى الهند للتخفيف من وطأة الصدام مع الغرب وهو توجه جسّدته من خلال كبح أي مظاهر تسويق توسيع تكتل بريكس على أنه خيار معادي للغرب، هي عوامل ساهمت في ترسيخ رؤية الصين بأن الهند هي جزء من الاستراتيجية الأمريكية الرامية لاحتواء الطموح الصيني في صناعة كتلة موازية في النظام الدولي، والمستخلص من هذا أنه ورغم حالة التقارب الذي يدفع به التعاون الاقتصادي بين الصين والهند، إلا أن دوافع التوتّر ظلت دائمًا حاضرة حتى لو تمّ تأجيلها ألى حين، فالسياسة والتاريخ والجغرافيا (الحدود) والرغبة في توسيع النفوذ الإقليمي والدولي للدولتين هي كلها محدّدات جاهزة لتغليب عنصر التوتر على التقارب في علاقات الدولتين الثنائية.

وممّا يرجّح هذا الطرح هو ما حدث على هامش قمة "نيودلهي" والمتعلق بالإعلان عن إنشاء مشروع الممر الاقتصادي الذي سيربط الهند بالاتحاد الأوروبي مرورًا بكل من الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل، والذي تمّ بإشراف أمريكي وفقًا لعديد التقارير،  ولعّل أن علم الصين المسبق بهذا المشروع على هامش القمة كان من أسباب غياب الرئيس الصيني الذي أراد تفادي "الحرج" المرتبط بتزامن حضوره القمة مع الإعلان عن المشروع، الذي يُرى فيه أنه منافس لمشروع "الحزام والطريق" رمز صعود الصين كقطب موازي في النظام الدولي، كونه يعدّ بديلًا أمام القوى الصاعدة في الشرق الأوسط وبخاصة المنضوية تحت مظلة مجموعة العشرين من أجل زيادة فرص تأثيرها في التجارة الدولية والطاقة بعيدًا عن النفوذ الصيني.  

 

الثاني/ ترسيخ خيار حتمية التأثير الصيني/ الروسي في المنتديات الدولية

وعلى النقيض من المُعطى الأول يمكن تفسير المبتغى من الغياب الروسي/ الصيني وبخاصة الرئيس الصيني، على أنه محاولة لإظهار حجم تأثير هذا الغياب على عمل القمة والمخرجات المنتظرة من ورائها، كون ذلك يرسّخ ثقل موقع الصين فضلاً على روسيا في التوازنات الدولية والإقليمية من جهة، كما يُشير إلى قدرة الصين وبدرجة أقل روسيا على زعزعة موقع الولايات المتحدة الأمريكية المهيمن على قيادة المنتديات العالمية من جهة أخرى، وما عزّز من هذا المُعطى هو تصريحات الرئيس الأمريكي "جو بايدن" التي عبّر فيها عن خيبة أمله من غياب الرئيس الصيني عن قمة نيودلهي، وبنفس الوتيرة من التذمر تحدثت العديد من التقارير عن امتعاض هندي من هذا الغياب رغم سعي السلطات هناك إلى تصنيفه في خانة "العادي" في محاولة للتقليل من شأنه.  

وبغض النظر عن أي من السيناريوهات هي أقرب لتفسير ما حصل، إلا أن الواضح أن غياب الرئيس الصيني وبدرجة أقل نظيره الروسي قد أثّر في قمة مجموعة العشرين بالهند، ما شكّل حالة من الإرباك الثنائي: الأول للهند كدولة مستضيفة للقمة كونه يعدّ عجزًا من الأخيرة على استيعاب كل الرؤى المتنافرة بين أعضاء المجموعة، والثاني للعمل الجماعي داخل مجموعة العشرين التي تعتبر قاطرة القيادة العالمية المشتركة.

 

  • مجموعة السبع وتكتل بريكس: أي مستقبل تحت مظلة مجموعة العشرين؟

صعود تكتلات موازية لمجموعة السبع وفي مقدمتها مجموعة البريكس الذي أصبح منافسًا جيو اقتصاديًا بأبعاد جيو سياسية حتى لو لم تتضح معالم توجهاته في ظل الخلافات البينية بين بعض أعضائه، قد ألقى بظلاله على مجموعة العشرين التي يبدو أنها أصبحت أمام خيارين: حتمية التحول لمواجهة الواقع الجديد أو الاندثار، والقصد بحتمية التحول أن تصبح مخرجاتها أكثر عدلًا وإنصافًا وعقلانية لمسايرة التغيرات الجارية في ميزان القوى الدولي، ورغم أن هذا الخيار قد ينجم عنه تعطيل لديناميكية عمل المجموعة في حدّ ذاتها لتصبح جسدًا ضخمًا بدون روح ولا أثر، إلا أن خيار تحويلها لطاولة للتفاوض من أجل إعادة رسم حدود النفوذ يبقى أكثر السيناريوهات عقلانية حتى لم تظهر لغاية الآن أي بوادر لمثل هكذا سيناريو.    

 

  • مشروع الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط:

تصاعد تأثير القوى الإقليمية الصاعدة أم استراتيجية أمريكية لاحتواء الصين؟

حمل الإعلان عن مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا العديد من الرهانات على قدرة القوى الإقليمية الصاعدة على التأثير في مسار التوازنات الدولية، فمشروع الممر سيحمل في طياته بكل تأكيد الكثير من التداعيات الجيو سياسية والجيو اقتصادية الإقليمية والدولية، وهو الذي من شأنه أن يساهم في:

ـ تعزيز إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.

ـ تطوير البنى التحتية لتشمل الخطوط البرية (السكك الحديدية).

ـ استحداث خطوط لنقل وتصدير الكهرباء والهيدروجين.

ـ تعزيز شبكات التواصل عبر مد كابلات لنقل البيانات.

ـ ربط موانئ الهند والشرق الأوسط وأوروبا.

جيو سياسيًا:

سيؤثر المشروع حتمًا في حدود النفوذ الإقليمي والدولي سواء بين القوى الكبرى أو بين القوى الكبرى ونظيرتها الإقليمية الصاعدة أو بين القوى الإقليمية الصاعدة نفسها، فالملاحظ لمسار الممر الاقتصادي سيلاحظ أنه استثنى من حساباته الجيو استراتيجية أحد أهم ممرّين مائيين ظلّا لأكثر من قرن من الزمن تعتبران شريان الاقتصاد العالمي وهما: قناة السويس وباب المندب، وبغض النظر عن مصالح كل طرف في ذلك كون المملكة العربية السعودية ترى في ذلك أنه تجاوز لمساعي بعض الأطراف الساعية لزعزعة الوضع الأمني في البحر الأحمر وعرقلة رؤيتها التنموية فيه، في حين ترى إسرائيل في ذلك على أنه انتصار لموقعها الجيو سياسي كبديل عن مصر وقناة السويس، فضلًا على الإمارات التي ترى أنها صلة وصل تفرضها حتمية الجغرافيا السياسية بالنسبة لأي مشروع اقتصادي عالمي، ويمتد ذلك إلى غاية اليونان التي ستزيد من ثقلها الجيو سياسي والجيو اقتصادي كونها المدخل الأوروبي لمسار هذا الممّر وهو ما يعزّز حتمًا من مكانتها وبخاصة في وجه المنافس التركي بعد مسيرة الأزمات التي مرّت بها في السنوات الأخيرة والنظرة التي تلاحقها على أنها عالة وعبئ على الاتحاد الأوروبي، إلا أن الثابت أن المشروع إذا ما تمّ إنجازه وفق المعطيات المعلن عنها فسيحمل في طياته الكثير من المتغيرات الجيو سياسية سواء الإقليمية منها، أو الدولية التي ظلت راسخة منذ نهاية القرن التاسع عشر.

كما يُشار إلى أن قوى إقليمية أخرى ستتأثر بتداعيات هذا المشروع، على غرار تركيا التي لطالما لعبت على وتر موقعها الجيو سياسي الرابط بين آسيا وأوروبا، كونها تعدّ طرفًا رئيسيًا في المشاريع الغربية لمرور الطاقة فضلًا على مشروع الصين "الحزام والطريق"، إلى جانب كونها ممرًا مهمًا للأمن الغذائي العالمي والذي أبانت عليه أزمة الصادرات الأوكرانية من الحبوب بشكل واضح، ورغم أنه من الصعب تحديد طبيعة التأثير الذي سيتركه مشروع الممر الاقتصادي الرابط بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط على موقع تركيا الجيو سياسي، إلا أن الثابت أن تركيا لن تكون بمنأى عن التداعيات خاصة وأن مشروع الممر يعزّز من موقع الغريم الإقليمي اليونان التي ستكون موانئها وجهة لمسار الممر الاقتصادي المزمع إنشاؤه.

وبنفس القدر من الأهمية والتأثير تبرز بعض الرهانات الدولية من وراء هذا المشروع، فالإشراف الأمريكي على المشروع يعتبر في حدّ ذاته مُعطى أولي يوحي برغبة الولايات المتحدة في أن يكون مشروع الممر أداة لتضييق الخناق عن مشروع "الحزام والحرير" الذي تستخدمه الصين حسب الأمريكيين لتوسيع نفوذها الجيوسياسي في كل قارات العالم، خاصة مع إعلان الصين عن مشاركة أكثر من تسعين دولة في منتدى التعاون الدولي الثالث لمبادرة الحزام والطريق لتعزيز البنية التحتية للتجارة العالمية المزمع عقده شهر أكتوبر القادم.

كما لم يغب الصراع الروسي / الغربي في أوكرانيا عن الأهداف الأمريكية من وراء الدفع بهذه المشاريع، ففي ظل حالة الاستقطاب العالمي الجاري كأحد مخرجات الصراع في أوكرانيا تضاعفت الرغبة الأمريكية في جلب أكبر عدد من الدول وبخاصة القوى الإقليمية الصاعدة لصف المنظور الغربي في تفسير الصراع، وقد زاوجت الاستراتيجية الأمريكية في سياسية الاستقطاب هذه بين التهديد تارة والترغيب تارة أخرى، وإن كان التهديد مرتبط بالعقوبات ومراجعة الشراكة الاستراتيجية مع كل من يساهم في مساندة روسيا، فإن مثل هذا المشروع يعدّ ضمن آليات الترغيب الأمريكية الرامية لتعزيز تكتلها العالمي المناهض لروسيا.

 

جيو اقتصاديًا:

من الواضح أن مبادرة مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا يتحرّك في إطار نطاقين:

نطاق إقليمي/ نابع من رغبة الدول المعنية بهذا الممر والراغبة في إيجاد تعزيز موقعها الاستراتيجي في التجارة الدولية، بداية بالمملكة العربية السعودية التي ترمي إلى تعزيز موقعها الجيو استراتيجي الذي بإمكانه أن يكون نقطة ربط بين ثلاث قارات: آسيا – إفريقيا – أوروبا، إلى جانب الإمارات التي ستعزّز من موقعها كوجهة عالمية للتجارة الدولية، فضلًا على إسرائيل التي ترمي أن تكون النافذة البحرية الرئيسية للتجارة الدولية عبر البحر الأبيض المتوسط

نطاق دولي/ حيث يعدّ مشروع الممر فصلًا آخر في الحرب التجارية المندلعة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على التجارة العالمية، والتي من المرشح أن تزيد حدّتها في ظل التغيرات الدولية الراهنة والتي زاد الصراع في أوكرانيا من وتيرتها للحد الذي اختزلت فيه أحداثًا كنّا نظن أنها لن تحدث إلا بعد عقود، ولكنها أصبحت واقعًا في ظرف سنة ونصف السنة من الحرب في أوكرانيا، ولعّل أهم ما يبرز في هذا السياق هو حجم الاصطفاف العالمي الذي أفرزته هذه الحرب والتحولات الإقليمية والدولية التي صاحبت ذلك.

وإلى جانب كبح تصاعد النفوذ الاقتصادي والتجاري الصيني في منطقة الشرق الأوسط والتي أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لمعظم دولها وعزّزته باتفاقيات الشراكة الموقعة مع معظم دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات الأخيرة، إلا أن الواضح أن لجم الطموح الاقتصادي والتجاري للصين من خلال مشاريعها لإعادة إحياء طريق الحرير القديم، الذي يرى فيه البعض أنه قاطرة الصين الأمامية التي ستجعل منها قطبًا موازنًا في العلاقات الدولية، أنه أحد أهم المقاصد الأمريكية من وراء بعث مشروع الممر الاقتصادي المعلن عنه الذي من شأنه مزاحمة النفوذ الاقتصادي والتجاري للصين على الأقل في منطقتي الشرق الأوسط وأوروبا بالنظر لمسار هذا الممر، فضلًا على أن المبتغى الأمريكي من وراء هذا المشروع هو إعادة بعث الخلافات الصينية ـ الهندية من جديد والعمل على إعادة التوازن الاقتصادي المختل بينهما، فالاقتصاد الصيني يساوي خمسة أضعاف الاقتصاد الهندي، رغم كل ما حقّقه الأخير من صعود ملفت في السنوات الأخير جعله خامس أكبر اقتصاد عالمي استنادًا إلى تقارير مؤسسات مالية واقتصادية دولية والدور الغربي وبخاصة الأمريكي في مساندة الصعود الهندي، إلا أن الاقتصاد الصيني أثبت بالرغم من الحرب التجارية المعلنة عليه من طرف الولايات المتحدة الأمريكية أنه اقتصاد من الصعب إيقافه، ولعّل ذلك ما دفع بالأمريكيين للمراهنة على وتر هذه الورقة المتمثلة في التأسيس لمشاريع اقتصادية معرقلة للتمدّد الصيني ومن بينها مشروع الممر الاقتصادي المعلن عنه على هامش قمة نيودلهي. 

كما لا يمكن إسقاط البعد الذي أصبحت تشكّله مجموعة بريكس عن بنك الأهداف الأمريكية، فالخطوة الأمريكية المتعلقة بالدفع بهذا المشروع الآن توحي مبدئيًا أنها تأتي في سياق الرد على خطوة بريكس الأخيرة المرتبطة بتوسيع عضويتها، وهذا عبر إنشاء تكتل داخل مجموعة بريكس نفسها، يزاحم الصين في خططها المستقبلية لتوسيع نفوذها الاقتصادي والتجاري العالمي، وإلا كيف يمكن تفسير اختيار ثلاثي البريكس (الهند – الإمارات – المملكة العربية السعودية) وهذا بعد أن تنال الأخيرتين (الإمارات والمملكة العربية السعودية) العضوية الكاملة بداية من يناير 2024م، لتكون ركيزة مشروع الممر الاقتصادي الرابط بين الهند وأوروبا، على الرغم من أن تكتل بريكس عامة وتوسيع عضوية هذا التكتل مؤخرًا قد وضع الاعتبارات الجيو سياسية المرتبطة بالسياسة والجغرافيا والديمغرافيا كأولوية سابقة عن أهمية البعد الاقتصادي، وبالتالي فإن المغزى النهائي من وراء التشجيع الأمريكي لمثل هكذا مشاريع تأتي في سياق لجم الطموح الصيني، حتى لوكان ذلك عبر تجاوز بعض الخلافات الأمريكية / الهندية، فضلًا على بعض التنازلات التي ستقدمها الولايات المتحدة لبعض القوى الإقليمية المرتبطة بهذه المشاريع، فبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فإن خطر الصعود الصيني وحتمية كبحه هو أولوية الأولويات الأمريكية في الوقت الراهن، ومعه تسقط أهمية باقي المخاطر المرتبطة بتصاعد دور باقي القوى الإقليمية الصاعدة المستفيدة من حاجة أمريكا إليها في تفعيل استراتيجيتها الشاملة لمواجهة الصين.

 

  • سيناريوهات وخيارات

في ظل ما شهدته قمة مجموعة العشرين الثامنة عشر في نيودلهي، وما حملته من مستجدّات عزّزت من المحدّدات التي لطالما حكمت مخرجات قممها السابقة وما ارتبط بها من رهانات وقرارات بقيت معظمها حبرًا على ورق، إلا أن قمة نيودلهي تمثّل "الاستثناء"، كونها القمة التي أخرجت معالم الخلاف والتضاد إلى العلن الذي سيساهم حتمًا في رسم معالم وسناريوهات وخيارات المجموعة مستقبلًا بالنظر للصورة النمطية السائدة حولها كونها منصة لتجسيد الهيمنة الغربية الأطلسية بصورة تحتوي منافسيها بل وتجعلهم شركاء في تقاسم الأعباء، وعمومًا فإن مستقبل عمل مجموعة العشرين كتكتل جامع للقيادة الدولية بمختلف تناقضاتها مرتهن لثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول هو أن تتحول المجموعة إلى منصة للمواجهة بين الكتل المتضادة التي تحتويها وتصفية الحسابات التي تحتويها ملفات التنافس والصراع الذي يربط بعضها ببعض ولكن بشكل ناعم، وهو أمر وارد بالنظر لما وقع على هامش قمة نيودلهي ومشروع الممر الاقتصادي الذي ينظر إليه على أنه نقطة إضافية لصالح تكتل مجموعة السبع داخل مجموعة العشرين أو على أقله لصالح الكتلة الغربية الأطلسية منها على حساب الصين وحلفائها داخل تكتل بريكس، ولكنه عامل سيجعل من المجموعة عبارة عن حلبة منافسة معايير الربح والخسارة فيها تخضع لقاعدة الكسب بالنقاط وليس الضربة القاضية التي تعكس قضاء طرف على الثاني، وأقصى ما يمكن أن يفرزه هذا السيناريو هو تعطيل ديناميكية عمل المجموعة لتتحّول إلى جسم دولي ضخم دون إفرازات تذكر على أرض الواقع.

السيناريو الثاني/ وهو حدوث توازن داخل مجموعة العشرين، تحتوي الكتل المتضادة فيها بعضها ببعض دول غلبة طرف على حساب آخر، وهو أكثر السيناريوهات عقلانية من أجل الحفاظ على هذا المجسّم الذي يرمز للقيادة العالمية المشتركة، ويساهم في تمرير التحولات الراهنة التي تمس بعضها بنية النظام الدولي في حدّ ذاته في إطارها التنافسي بعيدًا عن أي من سيناريوهات الصدام الذي يرهن مستقبل وجود المجموعة في حدّ ذاتها ويجعلها على حافة التاريخ الدولي، غير أن هذا السيناريو مرتهن في أحد أهم أبعاده إلى تحوّل المجموعة ومخرجات قممها إلى منصة أكثر توازنًا وعقلانية وإنصافًا وهو السبيل الوحيد للتغلّب وتجاوز تناقضاتها الراهنة.

السيناريو الثالث/ وهو أكثر السيناريوهات تشاؤمًا رغم كونه أمرًا ممكن الحدوث في حال ما إذا ضاقت سبل التوافق الدولي المصحوبة بفقدان الرشادة في إدارة ملفات الصراع التي يحتويها، على غرار تصاعد الصراع في أوكرانيا إلى المستوى المهدّد بتجاوز منطق الردع النووي إلى إمكانية استخدامه في حال ما إذا تحوّل هذا الصراع إلى صراع وجودي لروسيا، أو ملف مستقبل الصراع حول تايوان التي ترى فيه الولايات المتحدة على أنه من دواعي ومتطلبات تجاوز قاعدة الردع النووي نحو استخدامه في حين ترى فيه الصين أنه المانع الرئيسي بل والبرهان القاطع على تحوّلها إلى قوة موازية في النظام الدولي في حال حسمه لصالحها، وفي كل الأحوال فإن هذا السيناريو يعتبر من المهدّدات الوجودية لمنظمة العشرين بالنظر للنتائج الوخيمة التي يحملها على الأمن والسلام العالمي.

وبغض النظر عن التفاوت النسبي أو المطلق بين السيناريوهات السابقة وما ينجّر عنها من خيارات إلا أن الثابت الذي يحمله الواقع المستقى من قمة نيودلهي الأخيرة أن عصر توظيف مجموعة العشرين كتكتل دولي جامع في ظاهره لصالح خدمة مصالح طرف دون آخر ومراعي لطموحات تكتل دون آخر هي أمور ولّت بدون رجعة، إنما المتوفّر في ظل الواقع الحالي وما يحمله من رهانات هو التخمين العقلاني من كل الأطراف المتضادة في كيفية الخروج بأسلم وأنجع الخيارات التي تحفظ لمجموعة العشرين: كينونتها – فعاليتها – مستقبلها، في عالم متغيّر لم يعد يقبل ولا يتقبل الأحادية المطلقة المرتهنة للهيمنة الغربية الأطلسية ونظرتها الأحادية لطبيعة ونمط القيّم التي من المفترض أن تدين بها البشرية جمعاء حسب رأيها.

 

  • نتائج ودلالات

عمومًا فإن مجموعة العشرين وقممها المتتالية إثبتت أنها طاولة لتهدئة الحسابات ومنصة للتفاوض والاحتواء، إلا أن التحولات الجارية وغياب الرئيسين الروسي والصيني عن القمة يحملان نُذر تحويل المجموعة إلى ساحة للتنافس والصراع، فالرؤية الصينية ـ الروسية ترى في مجموعة العشرين جزءًا من المنظومة الغربية وأداة من أدوات القوة الأطلسية الساعية لوأد الطموح الصيني ـ الروسي في مناطق الصراع المعلنة من بحر الصين إلى المحيطين الهادي والهندي وليس انتهاءً بإفريقيا، رغم ما يسود المجموعة من تنوع ظاهري، ورغم أن الموقف الصيني والروسي لا يُعلن جهرًا رغبته في الانسحاب إلا أن الواضح أنه غير متقبّل للوضع الحالي.

فالمجموعة التي ظلت لسنوات كثيرة صورة للهيمنة الغربية لا تقل عن صورة مجموعة السبع رغم كل مساعي تسويق اختلافهما عن بعضهما، أصبحت اليوم وفي ظل تصاعد الصراع الرامي لإعادة رسم التوازنات الدولية تشكّل أحد أكثر الصور تعبيرًا لحجم وطبيعة الخلافات والإرادات الدولية المتضادة، رغبة كل محاولات التقليل من شأن ذلك في الخطابات السياسية الداعية لتحويل المجموعة إلى منبر للتوافق والتضامن الدولي وقاطرة لتعزيز الشراكة الدولية المستدامة، وهي عبارات منمّقة لم تعد تُخفي مستوى الصراع الحاصل والذي أخرجته الحرب في أوكرانيا من خفائه إلى علنه.

والثابت الذي يفرضه الواقع الدولي الراهن والمرتبط بكون النظام الدولي قد أخذ مسارًا فعليًا تجاه التعدد وإعادة رسم طبيعة التوازنات التي حكمته سابقًا، ومما أفرزه هذا التغيّر هو ولادة ثلاثة توجهات رئيسية لكل واحد منها منطقها المختلف في طرحها الاستراتيجي:

الأول: تمثله الكتلة الغربية الأطلسية المتشبثة بموقعها المهيمن والراغبة بكل ما أوتيت من قوة في استمرار نظام ما بعد نهاية الحرب الباردة رغم كل خلافاتها البينية (أوروبا – أمريكا)، وهو ما تُترجمه من خلال منتدياتها وتكتلاتها التي ما زالت مرتهنة في رؤيتها إلى المحدّدات التقليدية المرتبطة بعولمة القيم الغربية / الأمريكية في كل المجالات كمنظومة قيمية يجب أن تسود العالم كله، في حين تنظر القوى المنافسة لهذا التوجه أنه يقع ضمن خانة الوصاية الغربية الأطلسية على عالم متغير ما زال أصحاب هذه الوصاية يرونه جامدًا أو هكذا ما يخوّل لهم.

الثاني: تمثله الكتلة الروسية ـ الصينية التي ورغم ما تحتويه من خلافات إلا أنها تجتمع بضرورة تغيير ما هو قائم في النظام الدولي والتوازنات الدولية والإقليمية وحتى التكتلات والتحالفات والمؤسسات التي كانت وما زالت تعبّر عنه، رغم كل الشكوك المحيطة بمدى امتلاك هذا التكتل لأدوات التغيير اللازمة التي تعبّر عن رغبته الجامحة في رفع نسق التنافس السياسي والاقتصادي مع الكتلة الأولى، إلا أن الثابت هو امتلاكه للإرادة السياسية التي تدفع نحو ذلك.

الثالث: تمثله القوى الإقليمية الصاعدة الراغبة في إيجاد دور لها في مسار إعادة رسم التوازنات الدولية الراهنة، بما يُفضي إلى تحوّلها إلى ضلع ثالث في أي نظام عالمي مستقبلي مرهون بمخرجات هذه التحولات، ولعّل ذلك ما يتضمنه رغبة هذه القوى في التحرّك ضمن هامش المناورة الذي أتاحه صراع الكتلتين السابقتين، وهو ما يفسّر ازدواجية تأثير هذه القوى الإقليمية في مشاريع هاتين الكتلتين، انطلاقًا من رغبتها في الاستقلالية بقطب ثالث لا يرتهن بالضرورة إلى حتمية الاستقطاب الثنائي الجاري بين الكتلتين السابقتين. 


 

مقالات لنفس الكاتب