array(1) { [0]=> object(stdClass)#12958 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 191

نجحت قمة الرياض في تأطير الفرص بين دول الخليج والآسيان عبر إطار التعاون (2024-2028)

الأحد، 29 تشرين1/أكتوير 2023

أدى انشغال القوى الكبرى بالمنافسة الاستراتيجية فيما بينها، وإعادة بروز الاستقطابات الدولية من جديد مع تداعياتها السلبية على الاستقرار والنمو الاقتصادى العالمى إلى تحرك دول الجنوب فى مسار مستقل باتجاه تنمية الشراكات الأفقية فيما بينها لدعم التنمية المستدامة بها. فى هذا السياق، جاءت مبادرة المملكة العربية السعودية لعقد قمة الرياض بين مجلس التعاون الخليجي ورابطة الآسيان في 20 أكتوبر الماضي، التي دشنت حقبة جديدة لتعاون أكبر وأوسع نطاقاً بين الجانبين، ونموذجاً يحتذى به لتعاون الجنوب الجنوب.

يعتبر مجلس التعاون الخليجى ورابطة الآسيان من أبرز التجمعات الإقليمية التى تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار، وتحظى بثقة واسعة دولياً وإقليمياً، فرغم الصعوبات التى يمر بها الاقتصاد العالمي وحالة الانكماش والتراجع التى تمر بها كثير من الاقتصادات الكبرى، فقد نما الناتج المحلي لدول الخليج العام الماضي بنسبة 7.3%، ورابطة الآسيان 5.7%، ليتجاوز الناتج المحلي لكلا التجمعين 7.8 تريليون دولار. ومثل ذلك قاعدة انطلق منها مجلس التعاون الخليجى فى التقارب وتطوير التعاون مع دول الآسيان، ساعد على ذلك تناغم التوجه العام الحاكم للتجمعين نحو أولوية السلام وتعزيز التنمية باعتبارها ضرورة لازدهار دولها ورفاهية شعوبها.

يضاف إلى هذا، أهمية وثقل مجموعة الآسيان بالنظر إلى أهميتها الاستراتيجية وتجربتها التنموية وكونها قوة اقتصادية مؤثرة، وميلها إلى اعتماد موقف الحياد إزاء الصراعات الدولية. فرابطة آسيان تتمتع بموقع جيوسياسي هام نظراً لمتاخمتها بحر الصين الجنوبي الذي يعد أكبر بحر في العالم ومعبرًا تجاريًا حيويًا تمر به ثلث الشحنات البحرية العالمية، أي أكثر من خمسة عشر ضعف قناة بنما، وأكثر من ثلاثة أضعاف قناة السويس، هذا إلى جانب الثروة السمكية الضخمة حيث تعمل نصف سفن الصيد في العالم في هذا البحر. كما تعد رابطة "آسيان" من بين المناطق الأسرع نمواً اقتصادياً وكذلك في المجال التقني والتجارة الإلكترونية، وأبدت قدرة على التعافي السريع من الأزمات الاقتصادية والتأقلم مع انكماشات الاقتصاد العالمي.

فى ضوء ما تقدم تعتبر الآسيان من أكثر التجمعات الاقتصادية جاذبية عالمياً، وكانت الصين والولايات المتحدة أولى الدول التي ارتبطت مع "آسيان" بشراكة حوارية، وهي أرفع أنواع الشراكة مع الرابطة، بينما كانت المملكة المتحدة آخر المنضمين لهذه الشراكة، وذلك بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي في أغسطس 2021، هذا إلى جانب عدد من الدول والتجمعات الاقتصادية الكبرى، منها الاتحاد الأوروبي وأستراليا وكندا والهند واليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلاندا وروسيا. ولدى "آسيان" شراكات قطاعية، تركز على تطوير التعاون فى مجال أو قطاع محدد، مع عدد من الدول مثل باكستان والنرويج وسويسرا وتركيا، كما ترتبط بشراكة تنموية مع ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

فى هذا السياق، شهد التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجى ورابطة الآسيان تطوراً ملحوظاً على الصعيدين الجماعى والثنائى. وكان التجمعان قد دشنا العلاقات فيما بينهما عام 1990م، من خلال اجتماعات سنوية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وقد دفعت الأزمة المالية العالمية عام 2008م، لمزيد من التنسيق والتعاون بينهما، فتم رفع مستوى اللقاءات السنوية إلى المستوى الوزاري الكامل، وانعقد الاجتماع الوزاري الأول للحوار الاستراتيجي بين الجانبين عام 2009 م، في المنامة الذى أقر الرؤية المشتركة لمستقبل العلاقات بين مجلس التعاون الخليجى وآسيان لاسيما في مجالي التجارة الحرة والتعاون الاقتصادي، كما تبنى خطة العمل فى المجالات الاقتصادية والثقافية، وبناء عليها شُكلت ست فرق عمل متخصصة من الجانبين في مجالات الاقتصاد والتجارة، والاستثمار الزراعي والأمن الغذائي، والتعليم، والسياحة، والطاقة، والثقافة، والإعلام.

على الصعيد الثنائى، تتصدر المملكة العربية السعودية دول مجلس التعاون الخليجى من حيث كثافة التفاعلات مع الآسيان وتعتبر بوابة دول الخليج إلى الرابطة، وقد مثلت  زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لثلاثة من دول آسيان هي، ماليزيا وإندونيسيا وبروناي، عام 2017م، نقلة نوعية فى العلاقات الخليجية مع آسيان، ودفعت بها قدماً، وكان من ثمار ذلك توقيع إطار التعاون بين مجلس التعاون الخليجي وآسيان للفترة 2018 – 2022م، والذي يحدد مجالات التعاون والأنشطة ذات الأولوية والاهتمام المشترك في سبتمبر 2018م، وتوقيع دول مجلس التعاون الخليجي معاهدة صداقة وتعاون (TAC) تباعاً مع آسيان بهدف توطيد العلاقات مع دول الرابطة وتطوير أوجه التعاون بين الجانبين في مختلف المجالات. وخلال رئاستها لمجموعة العشرين عام 2020م، دعت الرياض ثلاثة من دول الرابطة، سنغافورة وفيتنام وإندونيسيا، للمشاركة فى أعمال القمة، تلى ذلك تبادل الجانبين زيارات مكثفة رفيعة المستوى، كان من أبرزها زيارة سمو ولى العهد السعودي الأمير محمد بن سالمان لإندونيسيا عام 2022م،  وزيارات وزير الدفاع الماليزي إلى المملكة، كذلك زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى إندونيسيا وماليزيا في يونيو 2022م، ولإندونيسيا في يوليو 2023م، مما عُد مؤشراً لتنامى التعاون الثنائى، الذى يمكن رصده وبلورته فى ثلاثة مجالات رئيسية.

 أولها، على الصعيد الاقتصادى، إذ ينمو التبادل التجارى بشكل واضح بين دول مجلس التعاون الخليجي ونظيرتها فى آسيان. وتعد المملكة العربية السعودية أكبر شريك تجاري في الشرق الأوسط لإندونيسيا، أكبر اقتصاد في آسيان، وبلغ حجم التجارة الثنائية بينهما نحو 7 مليارات دولار عام 2022م، وتعتمد إندونيسيا على واردات النفط من المملكة، حوالي 40% من واردات إندونيسيا من النفط الخام، وتستورد جاكرتا 400 ألف برميل من النفط يوميًا، مما يجعلها في المرتبة التاسعة عشرة بين أكبر مستوردي النفط المكرر في العالم. وتعد المملكة العربية السعودية ثامن أكبر وجهة لصادرات إندونيسيا من الأغذية المصنعة مثل التونة المعلبة والمعكرونة سريعة التحضير والصلصات الحارة والكاتشب والبسكويت. كذلك، تعتبر المملكة العربية السعودية أكبر شريك تجاري لماليزيا بين دول غرب آسيا، وبلغ إجمالي التجارة بين البلدين 10.26 مليار دولار عام 2022م، بزيادة 159.2% عن عام 2021م، وخلال السنوات الـ 26 الماضية، زادت صادرات المملكة العربية السعودية إلى بروناي بمعدل سنوي قدره 27.9٪، من 1.36 مليون دولار في عام 1995م، إلى 815 مليون دولار في عام 2021م، وتتضمن الصادرات السعودية البترول الخام والمكرر بشكل رئيسى، بينما تشمل صادرات بروناي إلى المملكة العربية السعودية المركبات العضوية وغير العضوية الأخرى، والفوسفينات (الهيبوفوسفيت)، والفوسفونات (الفوسفيت)، والكحوليات اللاحلقية.

كما تتمتع المملكة العربية السعودية وسنغافورة بعلاقات اقتصادية وتجارية قوية؛ وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 45.2 مليار ريال في عام 2022م، محققًا نموًا بنسبة 50.8%. ووقع البلدان 7 مذكرات تفاهم في أكتوبر 2023م، بهدف تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارات المتبادلة وفي مجالات الموانئ والنقل والخدمات اللوجستية، كما أعلن اتحاد الغرف السعودية واتحاد الأعمال السنغافوري عن إطلاق مجلس الأعمال السعودي السنغافوري. وكانت سنغافورة أول دولة غير شرق أوسطية تبرم اتفاقية تجارة حرة مع دول مجلس التعاون الخليجي في الأول من يناير 2015م، وتغطي الاتفاقية تبادل السلع والخدمات، والإعفاءات الجمركية، والتجارة الإلكترونية، والتعاون الاقتصادي، والمشتريات الحكومية، وقواعد المنشأ ومسائل أخرى. وتمنح الاتفاقية السلع السنغافورية المصدرة إلى دول مجلس التعاون الخليجي امتيازات وإعفاءات من الرسوم الجمركية، ومن المعروف أنه لدى مجلس التعاون الخليجي تعريفة جمركية موحدة بنسبة 5% على السلع الأجنبية، وبموجب الاتفاقية تعفي أيضاً جميع واردات دول مجلس التعاون الخليجي إلى سنغافورة من الرسوم الجمركية.

فى السياق ذاته وقعت إندونيسيا والإمارات العربية المتحدة فى الأول من يوليو 2022م، اتفاقية للتجارة الحرة تتضمن إلغاء وخفض الرسوم الجمركية بشكل حاد على معظم السلع المتداولة بين الدولتين. وتتمثل صادرات إندونيسيا الرئيسية إلى الإمارات في زيت النخيل والمنتجات الغذائية وملابس الموضة والبتروكيماويات الإماراتية ومنتجات المطاط والبلاستيك والمجوهرات والمعادن الثمينة، بينما تتمثل الصادرات الإماراتية إلى إندونيسيا في معظمها في الغازات البترولية والزيوت غير الخام. ويتضمن الاتفاق فصولاً تتعلق بالخدمات والاستثمارات وحقوق الملكية الفكرية والاعتراف المتبادل بشهادات الحلال لبعضها البعض. ومن المقرر أن يزيد الاتفاق الإماراتى الإندونيسي التجارة الثنائية غير النفطية بين البلدين من حوالي 3 مليار دولار إلى 10 مليار دولار في غضون خمس سنوات.

فيما يتعلق بالاستثمارات المشتركة شكلت استثمارات دول رابطة الآسيان 3.4% من مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة فى دول مجلس التعاون الخليجى بقيمة 24.8 مليار دولار، فيما مثلت استثمارات دول مجلس التعاون في دول رابطة الآسيان 4% من مجموع الاستثمارات الأجنبية بقيمة تصل إلى 75 مليار دولار خلال العام الماضي. وتتركز معظمها فى قطاع الطاقة حيث تتصدر شركة أرامكو السعودية الحضور الاقتصادي البارز للمملكة في ماليزيا من خلال مجمع بنجيرانج المتكامل في ولاية جوهور الجنوبية، بموجب صفقة بقيمة 27 مليار دولار مع شركة البترول الماليزية بتروناس، وهي تمثل أكبر استثمارات للشركة السعودية خارج المملكة، وتعد السعودية خامس أكبر مستثمر فى ماليزيا.

في عام 2013م، وقعت الإمارات كذلك اتفاقاً يقدر بـ6.57 مليار دولار لتأسيس منشأة لتخزين البترول بسعة تصل إلى 40 مليون برميل من النفط الخام في ولاية جوهور الماليزية، كما ارتفع عدد الشركات من دول رابطة "آسيان" المسجلة في غرفة دبي التجارية بنسبة حوالى 35.5% خلال الفترة من 2018 – 2022م، وأعلنت الإمارات فى مارس 2021م، استثمار بقيمة 10 مليار دولار في صندوق الثروة السيادية الجديد بإندونيسيا لإنفاقها على مشروعات تنموية عدة داخل إندونيسيا، ويمثل هذا أكبر التزام بالاستثمار الأجنبي لهيئة الاستثمار الإندونيسية (INA)  والأول منذ إطلاقها في فبراير 2021م، كما يمتد التعاون والاستثمار المشترك إلى مجال الطاقة المتجددة حيث تتعاون الإمارات في تطوير مشروع لانتاج الطاقة المتجددة بقيمة 8 مليارات دولار في ماليزيا بحلول عام 2025م، وذلك وفقًا لمذكرة تفاهم تم توقيعها بين هيئة تنمية الاستثمار الماليزية وشركة أبوظبي لطاقة المستقبل في أكتوبر 2023م.

فيما استثمرت قطر حوالي 5 مليارات دولار في مجمع بنجيرانج المتكامل للبترول في ولاية جوهور أيضاً، كما وقعت في عام 2013م، على مشروع يسمح لماليزيا بالمنافسة مع سنغافورة لتصبح مركزاً إقليمياً للصناعات البترولية في جنوب شرقي آسيا. وطورت شركة البترول الكويتية شراكتها فى قطاع الطاقة مع دول آسيان من خلال مشروع مصفاة النفط المشتركة في فيتنام وشراكة مع شركة بيرتامينا الإندونيسية لتطوير مجمع مصافي للنفط في شرق جزيرة جاوا الإندونيسية.

ثانيها، مجال التعاون الأمني والعسكري، ورغم أهميته لاسيما في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وغسيل الأموال، فإنه يظل محدود نسبياً مقارنة بنظيره الاقتصادى. وتقود المملكة العربية السعودية التعاون فى هذا المجال أيضاً حيث وقعت السعودية وإندونيسيا اتفاقية تعاون دفاعي عام 2014م، وهي الأولى من نوعها بين البلدين والأولى من نوعها لإندونيسيا ودولة في الشرق الأوسط. كما وقع البلدان اتفاقية لمكافحة الجريمة والتعاون الأمني عام 2017م. وقامت المملكة بتدشين تعاون مع ماليزيا يتضمن برامج التدريب المختلفة في المسائل الأمنية والاستخباراتية وبرامج التعاون الفني، والعمل على دفع التعاون والمبادرات الاستراتيجية في مجال مكافحة الإرهاب. هذا إلى جانب التعاون فى مجال تنظيم العمالة الوافدة من دول آسيان إلى دول مجلس التعاون الخليجى التى تعد من أكبر مستقبلى العمالة الآسيوية بشكل عام ومن دول الآسيان خاصة. وعلى سبيل المثال تعتبر السعودية أكبر مستقطب للعمالة الفلبينية على مستوى العالم؛ حيث تستحوذ على نحو ربع العمالة الفلبينية المغادرة، وتليها مباشرة الإمارات بنسبة 15%.

ثالثها، التعاون الثقافي والإنساني، ويعتبر الأكثر عمقاً بالنظر للروابط التاريخية الممتدة لقرون بين الجانبين خاصة المملكة العربية السعودية التى ترتبط بعلاقات دينية متميزة مع ماليزيا وإندونيسيا. فمنذ قيام العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وماليزيا عام 1961م، شكلت الوحدة الدينية عاملاً رئيساً في صلب علاقاتهما، وهيأت مناخاً من التفاهم والتعاون، كان من أوائل ثمارها عضويتهما في تأسيس منظمة التعاون الإسلامي، ومثلت هذه الرابطة الدينية العضوية قاعدة لإطلاق التعاون فى المجالات كافة. وتم توقيع مذكرة تعاون بين إدارة التنمية الإسلامية الماليزية (JAKIM)، وهيئة الغذاء والدواء السعودية في مايو 2023م، تتضمن الاعتراف المتبادل بشهادات الحلال للمنتجات المحلية. ومن خلال مذكرة التفاهم هذه، أصبحت السلع والمنتجات المصنعة في ماليزيا والمملكة العربية السعودية والحاصلة على الشهادات الصادرة عن كل من مركز الحلال السعودي التابع للهيئة العامة للغذاء والدواء وJAKIM معترف بها بشكل متبادل. على صعيد أخر، تتزايد عدد المنح الدراسية الممنوحة من الرياض للطلاب من دول آسيان حيث زادت المنح المقدمة للطلاب الماليزيين سنويًا، من 300 إلى 700 منحة، لمواصلة تعليمهم في المملكة في إطار برنامج الملك سلمان للمنح الدراسية. وتقدم الرياض أيضاً ما بين 200 إلى 250 منحة دراسية للتعليم العالي غير الديني، وخاصة في مجال العلوم والهندسة، لإندونيسيا. وبالتزامن مع زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود إلى إندونيسيا عام 2017م، تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في مجال البحث والتعليم العالي بين البلدين، مع التركيز على مجال التعدين والمعادن. ومن المعروف أن إندونيسيا تضم أكبر عدد من السكان المسلمين في العالم، وتحصل على أكبر حصة للحجاج على الإطلاق. وهناك آفاق غير محدودة لتنشيط السياحة الدينية بين إندونيسيا، وغيرها من دول آسيان، والمملكة العربية السعودية، وكذلك السياحة الترفيهية والشاطئية والثقافية.

 

لقد شهدت العلاقات بين مجلس التعاون الخليجى والآسيان دفعات هامة فى مختلف المجالات على النحو السابق تناوله، إلا إنها مازالت تزخر بالعديد من الفرص الواعدة للمستقبل، لاسيما في مجال التعاون الاقتصادي الذي لا تزال مؤشراته، رغم أهميتها، أقل من طموح دول التجمعين والإمكانات المتاحة لكليهما فى ضوء التكامل الهيكلى بين اقتصادات الطرفين. فقد بلغ إجمالى حجم التبادل التجاري بين الجانبين 137 مليار دولار عام 2022م، ما يمثل 8% من إجمالي حجم التجارة لدول مجلس التعاون الخليجي مع العالم. وهناك آفاق كبيرة لتطوير التبادل التجارى بينهما حيث تعد الآسيان من الدول سريعة النمو مما يجعلها فى احتياج متزايد للطاقة، كما إنها سوق واسع نظراً للكثافة السكانية المرتفعة لديها، إذ يبلغ عدد سكان دول الرابطة مجتمعة حوالي 622 مليون نصفهم تقريباً في إندونيسيا (274 مليون). وفي 30 أغسطس 2022م، وافق البرلمان الإندونيسي على عضوية بلاده في الاتفاقية التجارية للشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) وأصبحت أحدث دولة في رابطة آسيان تنضم إلى أكبر اتفاقية للتجارة الحرة في العالم، مما يوفر فرصًا كبيرة للشركات السعودية للاندماج بشكل أفضل في سلاسل القيمة الإقليمية وجذب الاستثمارات عبر إندونيسيا. كما تعد المملكة العربية السعودية شريكًا استراتيجيًا لطموح إندونيسيا في أن تصبح مركزًا عالميًا للمنتجات الحلال.

على صعيد آخر، هناك فرص واسعة للمستثمرين السعوديين للاستثمار في العديد من مشاريع النفط ومصافي التكرير في إندونيسيا، وكذلك في قطاع الطاقة المتجددة. وقد أدى موقع إندونيسيا في "حلقة النار" إلى امتلاكها نحو 40% من مخزون الطاقة الحرارية الأرضية في العالم، ويمكن لمنطقتها البحرية الشاسعة أن تولد 75 ألف ميجاوات من الطاقة. وفي المجمل، تتمتع إندونيسيا بالقدرة على توليد أكثر من 700 ألف ميجاوات من الطاقة من الموارد المتجددة مثل الطاقة الحرارية الأرضية وطاقة الرياح والمد والجزر والطاقة الشمسية. هذا إلى جانب الاستثمار في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية (EV) التي بدأ إنتاج أول مصنع لها بإندونيسيا، ومع سعي الأخيرة إلى تعزيز الاستثمار في هذا القطاع إلى 33 مليار دولار بحلول عام 2033م، توفر البلاد فرصًا كبيرة لمصنعي السيارات الكهربائية الأجانب. ومن المعروف أن المادة الرئيسية في إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية هي النيكل، وتعد إندونيسيا واحدة من أكبر الاحتياطيات في العالم له حيث تسهم إندونيسيا بما يقرب من 30% من إنتاج النيكل في العالم، وبها 22% من احتياطيات النيكل المعروفة عالمياً. وتريد إندونيسيا زيادة الإنتاج ليصل إلى 140 جيجاوات ساعة بحلول عام 2030م، تُخصص 50 جيجاوات ساعة منها للتصدير، ويتم استخدام الباقي لصناعة السيارات الكهربائية المحلية في إندونيسيا وللدراجات النارية.

كما تعمل إندونيسيا على جذب الاستثمارات السعودية للمساهمة فى تطوير عاصمتها الجديدة في مقاطعة كاليمانتان الشرقية من خلال صندوق الثروة السيادية الإندونيسي الذي تم إنشاؤه حديثًا بقيمة 10 مليارات دولار. وتبلغ تكلفة بناء المدينة الجديدة، التي من المقرر أن يطلق عليها اسم نوسانتارا (الأرخبيل)، ما يقدر بنحو 32 مليار دولار. وستقوم الحكومة بتحويل العاصمة الجديدة إلى مركز كبير منخفض الكربون يدعم قطاعات الرعاية الصحية والتكنولوجيا بالإضافة إلى تعزيز النمو المستدام خارج جزيرة جاوة. وتحتاج نوسانتارا إلى بنية تحتية صلبة وناعمة، مثل تطوير المرافق الحضرية، وتصنيع رسوم المرور، والموانئ البحرية والمطارات، والشبكات والاتصالات، وغيرها.

من ناحية أخرى، ينشط المستثمرون الماليزيون في قطاع الأعمال السعودي، ويحرصون على المشاركة في رؤية المملكة 2030، خاصة في قطاعي الصحة والتصنيع. فقد أتاح توجه المملكة لتنويع اقتصادها في إطار الرؤية العديد من الفرص، بما في ذلك مشروع مدينة نيوم، ومشروع البحر الأحمر، ومشروع المبادرة الخضراء السعودية، حيث يمكن للشركات الماليزية وغيرها من شركات دول الآسيان التنافس في المشاريع ذات الصلة. وهناك فرص في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والتصنيع والأغذية والسياحة والضيافة والنقل والخدمات اللوجستية والبناء ومشاريع البنية التحتية التقنية، فضلاً عن المشاريع المتعلقة بالحج والعمرة.

يضاف إلى ما سبق الشراكة الرقمية فى إطار تحول دول الخليج وبلدان الآسيان إلى الاقتصاد الرقمي، ودعم اتفاقيات شراكة الاقتصاد الرقمي  (DEPA) بين الجانبين .

لقد نجحت قمة مجلس التعاون الخليجى ورابطة الآسيان فى تأطير هذه الفرص وغيرها عبر تبني إطار التعاون للفترة (2024-2028)، الذي يحدد التدابير وأنشطة التعاون التي ستنفذ بين الجانبين في المجالات المختلفة، بما في ذلك الحوار السياسي والأمني والتجارة والاستثمار، والتواصل بين الشعوب، والتعليم والثقافة والسياحة والإعلام والرياضة، وسوف تستضيف المملكة العربية السعودية المؤتمر الاقتصادي والاستثماري الأول لدول مجلس التعاون ودول رابطة الآسيان في النصف الأول من عام 2024 م، في مدينة الرياض للوقوف على المشروعات محل الاهتمام المشترك ذات الأولوية. ولا شك أن الاتفاق على دورية القمة بين مجلس التعاون ورابطة الآسيان وعقدها مرة كل سنتين يعد إنجازاً فى حد ذاته حيث يتيح ذلك آلية متابعة قمية تذلل الصعوبات وتصيغ التفاهمات على النحو الذي يدفع التعاون لمستويات نوعية غير مسبوقة تتسق والفرص المتاحة وتطلعات الأطراف المختلفة.

مقالات لنفس الكاتب