array(1) { [0]=> object(stdClass)#12958 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 192

خيار التنمية .. وسلوك الحرب

الأربعاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2023

كلما لاحت في الأفق بادرة سلام للاقتراب من حل أزمة الشرق الأوسط، تفننت إسرائيل في وأدها بالمهد، وهكذا دأبت إسرائيل على ذلك منذ أن توافقت الدول العربية على مبادرة فاس عامي 1981 و1982م، وردت إسرائيل حينها باقتحام بيروت وطاردت عناصر منظمة التحرير الفلسطينية وحاصرت قائدها آنذاك ياسر عرفات، وبعد ذلك خططت لاغتيال نائبه خليل الوزير (أبو جهاد) ثم نفذت الاغتيال في تونس عام  1988م، في عملية قرصنة واعتداء على حرمة دولة تونس المستقلة  وكان ذلك في الوقت الذي كانت منظمة التحرير تخطط للاعتراف بدولة إسرائيل وإبرام السلام معها عندما كتب بسام أبو شريف مستشار عرفات مقالًا في صحيفة أمريكية وأعلن فيه استعداد منظمة التحرير لقبول حل الدولتين مقابل اعتراف المنظمة بإسرائيل وإقامة سلام معها، وأنتهز أبو شريف انعقاد القمة العربية بالجزائر في يونيو عام 1988م، ووزع على الصحفيين المقال أو "الوثيقة"، وكان هذا المقال بإيعاز من ياسر عرفات وبموافقته ـ وهذا ما أكده بسام أبو شريف لكاتب هذه السطور في لقاء بفندق الرشيد في بغداد ــ لكن ردت إسرائيل على ذلك بالتصعيد كالمعتاد والتخطيط لاغتيال نائب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ثم تصفيته في تونس في العام ذاته.

قبلت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993م، اتفاقيات أوسلو ومدريد وإعلان المبادئ الذي يعطي الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا مرحليًا تمهيدًا لاستقلال الدولة الفلسطينية وعاد عرفات وكوادر منظمة التحرير إلى غزة، ومنها إلى الضفة الغربية وفي هذه الأثناء عملت إسرائيل على فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وإضعاف قبضة عرفات وتقوية شوكة حركة حماس التي استقلت بالقطاع وأقامت فيه حكومة، ومع ذلك تمسك العرب بالسلام وإقامة حل الدولتين وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967م، مقابل أن تنعم إسرائيل بالسلام وتعيش دولة طبيعية ذات علاقات كاملة مع جيرانها العرب، إلا أن إسرائيل ردت على المبادرة العربية التي تبنت هذا الخيار ـ ومازال يتمسك بها العرب حتى الآن ـ واعتمدتها القمة العربية في بيرت عام 2002م ، وردت إسرائيل كعادتها باعتقال ياسر عرفات في مبنى المقاطعة بالضفة الغربية ومنعته من المشاركة في قمة بيروت التي أقرت مبادرة السلام التاريخية، وانتهى الأمر بعد ذلك بإسرائيل إلى اغتيال عرفات بالسم رغم قبوله للسلام واعترافه بدولة إسرائيل وقبوله بالحكم الذاتي.

مؤخرًا، ساد التفاؤل العالم والمنطقة بعد الإعلان خلال انعقاد قمة مجموعة العشرين في الهند يومي التاسع والعاشر من شهر سبتمبر الماضي (2023م) عن مشروع الممر الاقتصادي الذي يبدأ من الهند ويمر بمنطقة الخليج العربي ثم الأردن وميناء حيفا ومنه إلى دول الاتحاد الأوروبي، هذا الممر المبشر والذي يضم الدول ذات الاقتصادات المهمة في آسيا وأوروبا ، وتمثل نصف الناتج المحلي الإجمالي للعالم كله ، ويربط قارتي آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط، إلا أن إسرائيل وحماس استطاعتا إفساد هذه الأجواء بتدشين هذا الممر الاقتصادي التنموي العملاق، وبدأت في السابع من أكتوبر الماضي أي بعد حوالي شهر من الإعلان عن الممر حربًا شعواء تجاوزت فيها إسرائيل القانون الدولي والإنساني وشنت اعتداءات غير مسؤولة من جيش الاحتلال ضد قطاع غزة، ومارست إسرائيل القتل والتدمير والانتقام والاستئصال الذي لم يرحم الأطفال والنساء وكبار السن من المدنيين فكان القتل المتعمد بقصف المدارس والمستشفيات والمساجد والكنائس، وبدا الجيش الإسرائيلي وكأنه ثور هائج يستمتع بلون الدم المسال تحت الأنقاض، في حين وقف الغرب داعمًا  ومشجعًا لإسرائيل مستغلًا ما يحدث على أراضي غزة كورقة انتخابية داخلية في بلادهم.

وفي ظل هذه الأحداث جاء الموقف العربي والإسلامي المناصر للفلسطينيين،  فدعت المملكة العربية السعودية إلى قمة عربية ـ إسلامية استثنائية طالبت بوقف فوري لإطلاق النار ورفض التهجير القسري للفلسطينيين وإدخال المساعدات الإغاثية للقطاع، وتدفقت المساعدات إلى القطاع، وشكلت رئاسة القمة لجنة وزارية من وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية لزيارة كبريات عواصم العالم لتحقيق مطالب القمة وتوضيح حقيقة ما تقوم به إسرائيل في غزة، كما نجحت المساعي العربية في التوصل إلى الإعلان عن هدنة مؤقتة واستمرار مساعيها المحمومة لإنهاء هذه الأزمة بشكل دائم.

ورغم تمسك العرب بالسلام كخيار استراتيجي لم تستطع إسرائيل التخلي عن سلوكها القديم في محاولة نقل الحرب خارجها حتى تتمكن من العيش، لكن هذا خطأ استراتيجي فالذي يحقق لإسرائيل العيش الآمن ويجعل لها القبول من جيرانها العرب هو السلام وليس الحرب.. فمتى تتخلى إسرائيل عن الحرب وتقبل التعايش والسلام؟!

مقالات لنفس الكاتب