array(1) { [0]=> object(stdClass)#12962 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 193

من سيحكم القطاع المدمر .. من سيعيد البناء .. وكيف ستوفر الإمدادات؟

الخميس، 28 كانون1/ديسمبر 2023

تتسّم استراتيجية "إدارة الصراع" بالاستمرارية ولا تتوقف بتوقف القتال، فالمفاوضات حول الملفات العالقة التي لم تستطع لغة القوة واستخدام القوة العسكرية يجعلها هي الأخرى من ضمن آليات إدارة الصراع، هذه الأخيرة التي تبقى في مزيج بين آليات القوة الخشنة ونظيرتها الناعمة وأحيانًا مزيجًا بين الإثنين وهو ما يطلق عليه بآليات القوة الذكية.

بغض النظر عن حسابات الربح والخسارة وتقييمات حدود النصر والهزيمة لكل طرف من طرفي الصراع، والجدلية التي من الممكن أن تطال نتائج الحرب بعد نهايتها ومدى تحقيق كل طرف لأهدافه، وبعيدًا عن كل هذه النقاشات تبرز جملة من الأسئلة منها: من سيحكم القطاع المدمّر ومن يشرف على إدارة شؤون أكثر من مليوني إنسان يعيشون فيه؟ ومن سيشرف على إعادة البناء؟ وهل نفس الأطراف التي لطالما لعبت هذا الدور (قطر والأمم المتحدة) هي ذاتها من ستشرف عليه هذه المرة؟ وما هي آليات توفير الإمدادات للقطاع في ظل إصرار إسرائيل على عدم العودة إلى الوضع السابق؟، كل هذه أسئلة تصادف محاولة الإجابة عليها حتمًا عوائق وعقبات يصعب تجاوزها بعد أن تضع الحرب أوزارها، بل أن جهود التغلّب عليها ستكون أشدّ من جهود التوصل إلى مخرج لهذه الحرب.

 

  • ما الذي تريد إسرائيل تحقيقه؟ التهجير أم إعادة السيطرة – إنهاء حماس أم تقويضها:

لا يبدو في إسرائيل من هو مقتنع مما تحقّق لغاية الآن، فلا يوجد ما يشير إلى انهيار حركة حماس فجناحها العسكري مازال يقاتل بأداء عال من خلال استراتيجية حرب العصابات كلّفت إسرائيل منذ هجوم السابع من أكتوبر قرابة 450 قتيلًا معظمهم من الضباط 115 منهم منذ بداية الهجوم البري، آخر هذه الخسائر ما تعرّض له لواء "غولاني" نخبة القوات البرية في الجيش الإسرائيلي مؤخرًا بعد تعرّض أحد فرقه لكمين مزدوج أدّى لمقتل عشرة من خيرة ضباطه، والمشكلة أن كثيرًا من هذه الخسائر ما زالت تقع في شمال القطاع الذي تحاول الحكومة والجيش الإسرائيليين التسويق على أنهم بسطوا نفوذهم على هذه المنطقة، فضلاً على عجز إسرائيل عن تحرير أي من أسراها بالقوة، ورغم بعض النجاحات الاستخباراتية للشباك والموساد في تحديد مكان احتجاز الأسرى وعلى ندرتها وقلتها فإنها باءت بالفشل بعد أن انتهت إلى مقتل هؤلاء الأسرى بنيران إسرائيلية.

في ظل هذه المعطيات ليس أمام إسرائيل الكثير من الخيارات في ضوء تصاعد الضغوط على الإدارة الأمريكية للدفع بإيجاد مخرج للحرب المدمرة قبل حلول السنة الجديدة، وهو ما سيزيد من الضغوط على الطرفين للتعجيل في تحصيل مكاسب استراتيجية على الأرض سواء في تحييد وتصفية كبار قادة حماس أو تحرير الأسرى أو تنفيذ حزام أمني بين إسرائيل والقطاع على الرغم من المعارضة الأمريكية لذلك.    

 

  • حماس وحتمية الموازنة بين التكلفة البشرية العالية للحرب ومكاسب نجاحها في إدارة الصراع

في مقابل هذا العجز الاستراتيجي لا يبدو أن حماس مستعدة لإبداء أي نوع من المرونة اتجاه ملف الأسرى دون تنازلات واضحة، اتضح ذلك جليًا من خلال تشبّثها بشروطها التفاوضية لتحرير الأسرى تحت طائلة بند "الكل مقابل الكل"، ووقف الحرب قبل البدء في تسليم ما لديها من أسرى، وهو موقف يتعزّز كلّما تعاظم العجز الإسرائيلي في إحداث أي اختراقات حقيقية للتوازن الراهن الذي فرضه هذا الفشل الاستخباراتي والعسكري الذي بدوره انتقل إلى ما هو سياسي واقتصادي بتعاظم المعضلة الإسرائيلية في حرب القطاع.

هجوم 7 أكتوبر ورغم أنه قد يكون آخر هجوم للحركة على إسرائيل لسنوات طويلة قادمة، سيجعل الحركة تدرك أنها أمام ضرورة استغلال آخر فرصها لفرض حلّ مناسب تكون إسرائيل مجبرة، انطلاقًا من الأوراق التي لدى الحركة وفي مقدمتها ورقة الأسرى، غير أنها مجبرة في مقابل ذلك على تخفيف تشدّدها في هذه المسألة مع عدم إبداء إسرائيل أي دلائل أولية على الاستجابة للضغوط الدولية المتصاعدة، وفي انتظار النقطة التي من المرجو أن تصل إليها الضغوط الدولية والتي بموجبها تبدي إسرائيل بعض الاستجابة للتراجع عن نهجها، على حماس أن تدرك حتمية الموازنة بين مطالبها التي تعزّزها المكاسب المرتبطة بعدم قدرة إسرائيل على تحقيق مطالبها المعلنة على الأقل وبين التكلفة البشرية العالية المرتبطة بمضي إسرائيل في نهجها الحالي القائم على العمليات العسكرية الكبيرة والمفتوحة.

  • أي مستقبل لمشروع حلّ الدولتين؟

مستقبل حل الدولتين لا يبدو أنه يلقى آذانًا صاغية في إسرائيل فرغم أن أحد أهم أسباب ما حصل في 7 أكتوبر هو قناعة إسرائيل وحكوماتها بعدم جدوى هذا الخيار وغياب الجدية لدى حلفاء إسرائيل في الغرب وفي مقدمتهم أمريكا للضغط للتوصل إلى تسوية تحقّق للفلسطينيين دولتهم.

بنيامين نتنياهو الذي تشير كل التقارير إلى أن أيامه في السلطة معدودة وهو الذي ترأس ست حكومات سابقة، كان قد صرّح بأن أكبر خطأ ارتكبته إسرائيل هو توقيعها على اتفاق أوسلو، وهو ما يشير إلى غياب القناعة لدى إسرائيل بجدوى التسوية السياسية التي تساهم في حل للملفات العالقة التي من المنتظر في حال حلّها التوصل إلى السلام، سلام عبّرت الأحداث الراهنة على أنه لا يمكن تحقيقه بالتزامن مع تغييب الحق الفلسطيني، وأن الرهان على أن إسرائيل ستفرض الأمر الواقع بالقوة أو أن التطبيع الإقليمي سيجلب لإسرائيل السلام هو رهان فاشل ما دامت التسوية مع الفلسطينيين غائبة.

وفي ضوء تزايد الرغبة الدولية لحلفاء إسرائيل بتطوير المسار السياسي لما بعد الحرب نحو تحقيق الحقوق الدنيا للفلسطينيين ضمن مشروع حلّ الدولتين، إلا أنه وبالنظر لتجارب سابقة منذ بداية مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية والنتائج المترتبة عنها، فإن هذه الرغبة الدولية دائما ما كانت تصطدم بعدم جدية إسرائيل، وفي انتظار النتائج المترتبة لهجوم السابع من أكتوبر على عقيدة إسرائيل في الوجود، سيظل الرهان على هذا الحل مرتبط ببعض المحددات غير الموجودة حاليًا، وحتى ضمن التعويل على إمكانية تغير النهج الإسرائيلي مستقبلًا وبخاصة مع تصاعد موجة التطبيع الإقليمي وحتمية تجاوب إسرائيل معه على النحو الذي تسمح بأدنى مقومات إنشاء دولة فلسطينية فإنه لا يمكن الحكم مسبقًا على هذا التوجه وسط غياب أدنى مظاهره.

  • "الفراغ" لا يخدم أي طرف؟:

أن يبقى قطاع غزة الذي يضم مليوني نسمة بدون سلطة تديره سيكون كارثة أمنية ليس على إسرائيل بل بأبعاد إقليمية ودولية، ورغم حالة الغموض التي تكتنف الجواب حول من وكيف يدار القطاع؟ ورغم أن إسرائيل وهي الطرف المعني الأول بما يحدث يكتنف موقفها حالة من الغموض والضبابية حول هذا الموضوع؟ إلا أن الثابت أن سيناريو "الفراغ" يبعث على الدخول في سيناريو تحكمه "الفوضى" التي لا تخدم أي مصلحة، على الرغم من أن الدخول في هذا النفق المظلم مرهون بمحدّدين رئيسيين هما نجاح إسرائيل في القضاء على حركة حماس نهائيًا ثم انسحاب إسرائيل من مشهد إدارة القطاع دون وجود البديل الذي سيملأ الفراغ الناجم عن انهيار حركة حماس وانسحاب إسرائيل، وهي أمور ليس هناك ما يثبت إمكانية حصولها بسبب هذه المرونة والقدرة التي أبانت عليها حركة حماس في التشبث ببقائها كطرف مؤثر، موازاة مع صعوبة تحقيق إسرائيل لهدفها الأكبر وهو القضاء على الحركة ما يجعلها ربما تكتفي بتقويض سلطة حماس وليس إنهائها.    

  • من يحكم القطاع؟ "المعضلة الكبرى":

مواقف متضاربة وخيارات صعبة ذلك هو حال سيناريوهات حكم القطاع بعد نهاية الحرب، ورغم أن الحديث عن هذا الأمر يجب أن يسبقه نجاح إسرائيل في القضاء على حماس لإنهاء تأثيرها في غزة مستقبلاً، وهو الأمر الذي لم تظهر أي من ملامحه لغاية الساعة على الأقل، ما يطرح عديد الأسئلة من قبيل: كم من الوقت الذي تحتاجه إسرائيل للقضاء على حكم حركة حماس؟ وما مدى قدرة الغرب على الاستمرار في توفير الغطاء السياسي للحرب إلى النحو الزمني الذي تريده إسرائيل وهو الذي بدى عليه شيء من عدم التوافق مع النهج الإسرائيلي الراهن المتسم بالبربرية التي تنتج أرقامًا عالية من الضحايا المدنيين؟ وما مدى إذعان إسرائيل للضغوط الغربية؟ وهي التي رفعت حكومتها شعار "سنستمر ولو لوحدنا" في إشارة إلى رفضها لمطالب الغرب وخاصة الولايات المتحدة التي تمارس ضغوطًا من أجل الانتقال من مرحلة العمليات الكبرى إلى مرحلة الهجمات الدقيقة والمحدودة وهو ما من شأنه حسب الموقف الأمريكي التقليل من حجم الضحايا المدنيين في القطاع.

هي كلها أسئلة تزيد من صعوبة تحديد الخيارات المطلوبة لمن يحكم القطاع؟ وكيف سيحكمه؟، وهذا في ضوء تفاوت الرؤى المرتبطة بهذه الخيارات:

الخيار الأول: سيطرة إسرائيل المباشرة على القطاع "مخاطر تتجاوز المكاسب"

رغم أن هذا الخيار هو ما تعلنه حكومة نتنياهو التي لطالما أعلنت أنها ستتحمّل مسؤولية إدارة القطاع لوحدها، إلا أنه واستنادًا إلى عديد الاعتبارات يعتبر هذا خيارًا بعيد المنال، وفي مقدمة هذه الاعتبارات الموقف الدولي الرافض لهذه الخطوة كونها تعني إنهاء مشروع حلّ الدولتين إلا إذا كان القطاع في كنف الدولة الفلسطينية المنشودة، تجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن الموقف الأمريكي قد أبدى رفضه عدة مرات لهذا الخيار، انطلاقًا من أن تكلفته سواء بالنسبة لإسرائيل نفسها أو لداعميها في الغرب أو للمجتمع الدولي أكبر من مكاسب منتظرة.

أولى إرهاصات هذا الخيار هو عودة إسرائيل كقوة احتلال على غرار ما كان عليه الوضع قبل سنة 2005م، وهو ما سيثقل إسرائيل بمسؤولية سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية هي في غنى عنها، كما أنه يهدّد مسار التطبيع الإقليمي المُراد أن يسير عليه مستقبل العلاقات الإسرائيلية مع محيطها الإقليمي، إلى جانب تكلفة هذا الخيار أمام المجتمع الدولي ما يزيد من حجم المتاعب والضغوط على حلفاء إسرائيل، وهي اعتبارات تزيد من صعوبة تطبيق هذا الخيار.

الخيار الثاني: السلطة الفلسطينية "شكوك مرهونة بحدود تقويض حركة حماس"

هجوم نتنياهو على السلطة الفلسطينية والتي ساوى فيها بين حماس والسلطة انطلاقًا من أن كلاهما يصبوا إلى إزالة إسرائيل حسب تعبيره إنما الاختلاف في الآليات فحسب، فإذا كانت حماس تعتمد على الوسائل العسكرية تلجأ السلطة إلى الآليات الدبلوماسية والقانونية يوحي بأن إسرائيل غير قابلة للعرض الأمريكي القائم على إسناد إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية.

رغم أنه أكثر الخيارات إجماعًا من معظم الأطراف المعنية بالصراع الدائر سواء منها الإقليمية أو الدولية بل إن ذلك يمتد حتى لدى إسرائيل التي رغم مواقف حكومتها الرافضة لهذا الخيار علنًا، إلا أن الضغوط الأمريكية من المرجّح أن تغيّر من الموقف الإسرائيلي في حال ما إذا استوفت شروط إسرائيل المرتبطة بضمان عدم تكرار ما حدث في 7 أكتوبر مرة ثانية.

ورغم أن الخيار مرهون بنجاح إسرائيل في القضاء على حركة حماس، إلا أن البعض يرى أن ذلك ليس ضروريًا وحتميًا بالنسبة لإسرائيل انطلاقًا من أمرين:

الأول إن تقويض حركة حماس وشلّ قدرتها العسكرية قد يكون كافيًا سواء من أجل إعادة سلطة إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية، أو من أجل تحقيق أمن وحماية إسرائيل مستقبلاً.

الثاني مرتبط بإمكانية احتفاظ إسرائيل بتواجد أمني عبر استحداث نقاط تفتيش إسرائيلية داخل القطاع كتعويض على مطالب الحكومة الإسرائيلية بإعادة القطاع إلى سيطرتها المباشرة، بالتوازي مع إقامة إسرائيل لمنطقة عازلة من أجل درء أي هجمات مماثلة مستقبلاً، وهي البدائل التي تلقى قبولاً نسبيًا ومتصاعدًا لدى الحكومة الإسرائيلية، وبخاصة مع تزايد الضغوط الداخلية والدولية الرامية لضرورة تسقيف الأهداف الإسرائيلية وحصر النهج الإسرائيلي الراهن القائم على الهجوم المفتوح والواسع النطاق، مما سيزيد من صعوبة القضاء على حركة حماس.  

في مقابل ذلك فإن هناك الكثير من الشكوك التي تحوم حول قدرة السلطة الفلسطينية على إدارة القطاع لأنها لا تمتلك ذلك السند الشعبي الذي تتمتع به حماس، فضلاً على أن بعض التقارير أوردت أن من ضمن أهداف الحركة من خلال هجوم 7 أكتوبر هو تنازلها عن السلطة الإدارية في القطاع بالتزامن مع احتفاظها بسيطرتها العسكرية ، وهو الهدف الذي ورغم أن البعض يراه بمثابة "المقامرة" غير المضمونة النتائج ولا العواقب، إلا أن استمرار الحرب بالنمط الجاري الذي لا يوحي بأن إسرائيل قادرة على إبادة حماس، وإن حصل ذلك فإنه سيكون مرهونًا بأشهر طويلة من الحرب وتكلفة بشرية ضخمة إلى جانب قدرة إسرائيل على تجاوز المصاعب الداخلية والخارجية، وهو الأمر الذي لا يبدو أن أحدًا متحمّسًا لتحمل تبعاته خاصة وأن هذا الغموض المحاط بأهداف إسرائيل الحقيقية في الحرب ينعكس على إسرائيل نفسها قبل غيرها، ما يجعلنا ندرك أن حماس لم تكن تضع الحفاظ على سيطرتها الإدارية على القطاع بعد الحرب من ضمن أولوياتها، أو على الأقل بنفس القدر الذي تضع فيه الحفاظ على سيطرتها وقدرتها العسكرية أو على الأقل فرض نفسها كطرف مؤثر في توازنات ما بعد الحرب، ما يتيح لها البقاء ليس بالضرورة كقوة حاكمة إنما كقوة عسكرية مؤثرة.

ما يعزّز من هذه القراءة هي تصريحات قادة السلطة الفلسطينية الذين لا يحبذّون العودة في مظهر الأداة التي تستخدمها إسرائيل علانية لإدارة القطاع الذي لا يحمل سكانه الود لهم، وهو ما ينزع منهم أدنى مستويات الشرعية والمصداقية التي يفتقدونها بشكل كبير لدى سكان القطاع، هذه المعطيات دفعت السلطة الفلسطينية إلى التصريح بضرورة قيام شراكة بين الفصائل في إدارة القطاع على النحو الذي يسمح لحركة حماس أن تكون شريكًا في ذلك إلى جانب منظمة التحرير.

الرغبة الأمريكية التي عبّر عنها الرئيس الأمريكي بأن السلطة الفلسطينية هي التي من المفترض أن تدير القطاع بعد نهاية الحرب، زادت من وطأة الضغوط الأمريكية على السلطة بهدف إدخال إصلاحات جذرية يرى فيها الأمريكيون ضرورة لإعادة تأهيل وهيكلة السلطة حتى تكون قادرة على إدارة القطاع، من أجل هذا الهدف تصاعدت زيارات المسؤولين الأمريكيين إلى الضفة الغربية ولقاءاتهم برئيس السلطة لتسريع وتيرة التغييرات والإصلاحات، و كان من ضمن ما ذكرته بعض التسريبات استحداث العديد من المناصب التنفيذية داخل أجهزة السلطة على النحو الذي يخفض من سلطة رئيسها لصالح قيادات جديدة أكثر قبولاً جماهيرياً، تماشياً مع الإسراع في التحضير لانتخابات جديدة لإضفاء هذه الشرعية على قادة السلطة، وكل هذا بالتوازي مع توافق دولي شامل على حتمية إقامة دولة فلسطينية مستقلة تقودها السلطة بعد هيكلتها وتأهيلها.

الخيار الثالث: قوات دولية تحت إدارة أممية

يشير هذا الخيار إلى إمكانية نشر قوات دولية في قطاع غزة على غرار نموذج "اليونيفيل" في جنوب لبنان وعديد الدول التي شهدت نزاعات وصراعات سابقًا في إفريقيا وآسيا والقوقاز، توكل لها مهمة إدارة القطاع لفترة زمنية مؤقتة إلى جانب مهمة نزع سلاح حركة حماس وحماية وتحقيق أمن إسرائيل، غير أنه من الواضح حجم التوافق الدولي والإقليمي حول هذا الخيار نظرًا لحالة التعقيد المتسّم بها سواء من جهة طبيعة التفويض الذي من المفترض أن يعطي الشرعية لوجود هذه القوات، أو من ناحية التفاصيل التقنية المرتبطة بطبيعة وحجم القوات والدول الراغبة في المشاركة فيها، فضلًا على مدى الرضى الإسرائيلي إلى جانب بعض الدول الإقليمية وخاصة تلك المتأثرة بشكل مباشر على غرار مصر والأردن عن هذا الخيار، وهل من الممكن فعلاً التعويل عليه لحفظ الاستقرار وضبط الأمن في القطاع.

الخيار الرابع: قوات عربية تحت غطاء أممي

يعدّ هذا الخيار أحد الخيارات الممكنة في ضوء حالة اللا توافق وغياب الإجماع عن معظم السيناريوهات السابقة، خاصة إذا تنوعت الشراكة بين مختلف الأطراف في إطار هذا الخيار، وذلك بالتعاون مع السلطة الفلسطينية وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وهو ما يزيد من فرص نجاح هذا السيناريو في التغلب على كثير من العقبات التي ارتبطت بالسيناريوهات السابقة.

كما أن هذا الخيار يعدّ مصلحة لبعض الدول العربية وفي مقدمتها مصر والأردن، كونه سيكون بديلاً على مخاطر سيناريو "التهجير"، فضلاً على أنه سيجعل من هذه الدول العربية أمام امتلاك أداة على الأرض لمعالجة مخاوفها، رغم ما قد يحمله هذا الخيار من تكلفة سياسية واقتصادية عليها.

خيار نشر قوات عربية سيكون خيارًا أكثر شعبية لدى الفلسطينيين ما سيزيد من رصيد شرعية وجوده، وستكون له تداعيات الإيجابية في حال ما إذا كانت هناك ضرورة لاستمرار هذا الخيار على المدى البعيد، كما ستكون فعاليته في تحقيق الاستقرار أكثر إمكانية مقارنة بالخيارات السابقة التي لن تمتلك هذا الرضى الشعبي.

ورغم المكاسب المنتظرة من هذا الخيار إلا أنه ليس من الواضح مدى استعداد الدول العربية لتقبله في ظل ما يكتنفه من تعقيد وغموض حول إطاره الزماني والمكاني فضلًا على تفاصيله الاقتصادية والمالية، وأيضًا التقبل الإسرائيلي، وهو ما يحمل مخاطرة بالنسبة لهذه الدول قد تكون لها عواقب وخيمة في حال ما إذا فشل هذا الخيار في تحقيق المراد منه.

الخيار الخامس: "إدارة مختلطة"

إدارة مختلطة بين جميع الأطراف تعتبر هي الأخرى خيارًا واردًا، سواء فيما تعلق بالأطراف الفلسطينية الداخلية أو حتى الإقليمية والدولية، وإن كان هذا الخيار مرتبط بجملة محدّدات من المنتظر أن تفرزها نتائج الحرب على غرار: النجاح الإسرائيلي في الحرب –تلاشي قوة حماس وقدرتها على الأرض –استمرار الدعم الغربي لإسرائيل –تأثير الأطراف الإقليمية على مسار إدارة الصراع، وهي كلها محدّدات مؤثرة ليس على مستقبل الحرب وفقط إنما على مستقبل إدارة الصراع في فترة ما بعد الحرب.

يحمل هذا الخيار في طياته العديد من المكاسب لكل الأطراف:

بالنسبة لإسرائيل وهي التي لطالما أعلنت استحالة العودة للوضع السابق لهجوم 7 أكتوبر قد يتيح لها تواجدًا أمنيًا تختلف طبيعته وحجمه حسب رؤية كل طرف، ولكنه في النهاية سيحقق لإسرائيل جزءًا من مبتغاها.

بالنسبة لحماس دخولها كطرف في إدارة مدنية مشتركة مع السلطة الفلسطينية سيجعلها أمام إمكانية التسويق على أنها طرف لا يمكن إسقاطه وهو مالا ترغب فيه إسرائيل.

بالنسبة للأمريكيين سيقلل من مخاطر كثيرة سواء المرتبطة بالتكلفة السياسية والأخلاقية التي لم تعد واشنطن تتحملها أمام المجتمع الدولي نظير دعمها لإسرائيل، خاصة أن إدارة بايدن على أبواب الانتخابات الرئاسية، كما أنه سيقلل من مخاطر استمرار الحرب وإمكانية توسعها إقليميًا.

بالنسبة للأطراف العربية المعنية بالصراع سواء بشكل مباشر أو غير مباشر سيتيح لها التقليل من تداعيات تطور الصراع مستقبلًا وما يحمله هذا السيناريو من مخاطر مرتبطة بالتهجير أساسًا.   

  • من سيعيد البناء؟ وكيف ذلك؟

رغم أن معضلة من يحكم القطاع وكيف سيدار هي لبّ المعضلة، إلا أن البناء وإعادة الإعمار هي المعيار الحقيقي لأي نجاح في حل المعضلة الأولى، خاصة وأن المعضلتان مرتبطتان على نحو التكامل بحيث لا يمكن تحقيق إحداهما دون إغفال الآخر، ما يجعل حلّهما يجب أن يكون حلاً متكاملاً يجعل الحكم على نجاح تجاوز الأولى مرهونًا بتجاوز الثانية والعكس صحيح.

وفق آخر التقارير فإن زهاء 80% من مباني قطاع غزة مدمر بشكل كلي أو جزئي، وتتجاوز هذه النسبة في حال ما تعلق الأمر بالهياكل العامة والبنية التحتية مثل المستشفيات والمدارس ومؤسسات الإغاثة وغيرها، فضلاً على أن أكثر من 70% من سكان القطاع لم يعد لهم منازل يعودوا إليها، ما يجعل هذا الملف أحد أكثر الملفات خطورة لما يحمله من تداعيات على مستقبل الأمن والاستقرار في القطاع، وتزداد أهمية هذا العامل إذا وضعنا في الحسبان أن أمن إسرائيل المنشود هو من أمن القطاع ذاته، وهو ما تدركه كل الأطراف التي أصبحت على قناعة بحلّ الدولتين.

وفي ظل صعوبة تحديد الأرقام الحقيقة لوضع التقديرات الأولية التي تحدد حجم التمويل وماهية الأطراف الممولة من أجل إعادة القطاع المنكوب لأدنى مستويات وضروريات الحياة، وهذا باستمرار آلة الحرب الإسرائيلية على القطاع، فإنه من الممكن القول إن معالجة هذا الملف ضرورة حتمية لا تقل أهمية عن جهود إيقاف الحرب.

إلا أن الثابت بالنظر للدمار الهائل في الممتلكات والبنى التحتية أن مسؤولية إعادة الأمر لا يمكن لأي طرف تحمّلها بشكل منفرد، بل هي مسؤولية جماعية بالنظر لحجم تعقيدها والإطار الزماني الطويل الذي قد يصل إلى سنوات عديدة إن لم تكن عقودًا من أجل إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، وما يزيد من صعوبة وضع رؤية استشرافية لمعالجة هذا الملف هو صعوبة تحديد النوايا السياسية المستقبلية لإسرائيل التي يرى الكثير أنها من المستحيل أن تتراجع إلى الجغرافيا السياسية التي كانت عليها المنطقة قبل السابع من أكتوبر.

كما لا يبدو أن الإرادة والرغبة الإقليمية لدى بعض الأطراف المعول عليها أن تقود عملية إعادة الإعمار متوفرة ويمكن ضمانها لغاية الآن، والقصد هنا دول الخليج التي من المنتظر مساهمتها في هذا التمويل، وهذا بسبب ضبابية المشهد الراهن وما يكتنفه من مخرجات منتظرة، سواء فيما تعلق بالمسؤولية المتوقعة جرّاء هذه المهمة، أو التكلفة الحقيقية لذلك والمنتظر منها من نتائج، ومما يزيد من صعوبة وحجم العراقيل المنتظرة هو رفض إسرائيل الاعتماد على نفس الأطراف السابقة في إعادة الإعمار وتوفير الإمدادات وهما دولة قطر بالشراكة مع الأمم المتحدة عبر "الأونروا" وهو ما يطرح العديد من الأسئلة حول البدائل المنتظرة ومدى جاهزيتها لتحمّل هذا العبء، والأكثر من كل ذلك مدى فعالية ذلك، خاصة وأن القطاع في حاجة إلى خطط عاجلة لمواجهة الأزمة الإنسانية المتصاعدة التي من المنتظر استمرار تصاعدها حتى في حال ما إذا وضعت الحرب أوزارها.

مقالات لنفس الكاتب