array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 194

محاولة سلب القضية الفلسطينية من هويتها وتحويلها لمستوطنة فارسية من تحديات السلام

الخميس، 25 كانون2/يناير 2024

في يناير الماضي صدر عن الأمم المتحدة تقرير يؤكد " إن عدد النزاعات الدموية في أنحاء العالم هو في أعلى مستوى له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية"، وبعد مرور ثلاثة أشهر على الحرب على غزة أكدت الأمم المتحدة " أن غزة أصبحت مكانًا للموت واليأس". وما يجري على أرض فلسطين اليوم من مجازر بدافع الثأر وفائض الحقد، وقد انطلق من عقاله، لم يعد يخص أهل فلسطين وحدها، بل شملت ارتداداتها دول وشعوب كرة الأرض بأسرها، وتهدد مؤسسات أقيمت لبناء السلام مثل منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية بإلغاء دورها. والممرات البحرية الدولية بإقفالها، وبينما المتطرفون والمتعصبون قوميًا ودينيًا يتناثرون دماء الأبرياء في غابات القتل فإن صوت العقل لا يغيب عن دول الخليج العربية وقادتها في سعيهم الراسخ، بعيدًا عن صخب البلاغات، لمتابعة المسيرة نحو عالم يستلهم سعادة الإنسان على الأرض من دون أن يبتعد عن حكمة السماء.

الجهود لحل القضية الفلسطينية

من المفيد بداية أن نستعيد محطات العلاقة التاريخية التي ربطت دول الخليج العربي بالقضية الفلسطينية. ومن أبرز هذه المحطات هو أن حركة التحرير الفلسطينية (فتح) نشأت في الكويت بقيادة ياسر عرفات وخليل الوزير (أبو جهاد)، وكانا يعملان بالكويت، وفيها قاما بإطلاق نشرة "فلسطيننا". ثم انضم إليهما يوسف النجار وكمال عدوان ومحمود عباس وكانوا يعملون في قطر، ثم عبد الفتاح حمود (أبو صلاح) وصبحي أبو كرش وسعيد المزين وكانوا يعملون في المملكة العربية السعودية. هذا في نشأة حركة فتح التي شكلت العمود الفقري للمقاومة الفلسطينية على مدى عقود.

أما على الصعيد الدبلوماسي فكانت "مبادرة فاس" وهذه المبادرة التي قدمها الأمير فهد بن عبد العزيز، وكان وليًا للعهد في 21-11-1981م، وتضمنت إعلان المبادئ المقترحة كأساس لحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وتأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام. وقد تم رفع تلك المذكرة إلى القمة العربية التي قامت بتأجيلها بعد أن عقدت جلسة واحدة، ثم في سبتمبر العام 1982م، تم اعتمادها في مشروع السلام العربي مع إسرائيل وأبرز مقرراتها:

  • إعلان إسرائيل بداية، أن السلام العادل هو خيارها الاستراتيجي.
  • انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها عام 1976م.
  • إزالة جميع المستعمرات في الأراضي المحتلة بعد العام 1976م.
  • قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
  • تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
  • وضع وتنفيذ مبادئ وضمانات السلام بين جميع دول المنطقة بما فيها الدولة الفلسطينية المستقلة بواسطة مجلس الأمن الدولي.
  • التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194م.

-القمة العربية / الإسلامية

بدعوة من الملك سلمان بن عبد العزيز عُقدت القمة العربية الإسلامية كقمة طارئة مشتركة بين دول جامعة الدول العربية ودول منظمة التعاون الإسلامي في 11 نوفمبر 2023م، بمدينة الرياض برئاسة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، وذلك لبحث تطورات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وشارك في القمة 57 من قيادات الدول العربية والإسلامية. وخرجت القمة بمجموعة من القرارات والتوصيات الإيجابية التي بلغ عددها 31 قراراً والتي بعثت بإشارات إيجابية على أن هناك رؤية متفق عليها من تلك الدول لوقف قتل الأبرياء، وطالب البيان الختامي بإنهاء العدوان الإسرائيلي على غزة، ووقف جرائم الحرب والمجازر البربرية والوحشية وغير الإنسانية، التي يرتكبها الاحتلال، وأدان جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وطالب بإنهاء الحصار على غزة ودخول قوافل المساعدات الإنسانية، من غذاء ودواء ووقود، ودعا مجلس الأمن باتخاذ «قرار حاسم وملزم» يفرض وقف العدوان. وبالرغم من أن مجلس الأمن عقد ثلاث جلسات لإقرار "وقف عاجل وملزم ودائم للأعمال العدائية “إلا أن الولايات المتحدة استخدمت حق "الفيتو" مرتين لتعديله.

-مساعدات الدول الخليجية

يعود اهتمام شعوب ودول الخليج العربي بالقضية الفلسطينية إلى ما قبل نكبة فلسطين عام 1948م، حيث استجابت الدول لنداءات الشعب الفلسطيني ضد المجازر ومحاولات الاحتلال، والهيمنة التي تقوم بها العصابات الصهيونية في فلسطين آنذاك، وقد تزايد هذا الاهتمام مع الجولة التي قام بها مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني في ثلاثينيات القرن الماضي، والذي قام بزيارة للكويت شهدت اهتمامًا رسميًا وشعبيًا كبيرًا، تمثل في الحجم الكبير من التبرعات التي قدمت رغم شح الموارد في تلك الفترة . وقد اتخذت العلاقة مسارًا واضحًا وبارزًا مع انطلاق الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936م، وإعلان الفلسطينيين لأحد أكبر الاضرابات السياسية في القرن المنصرم، احتجاجًا على الهجرة اليهودية وسياسة شراء الأراضي. وفي قمة الخرطوم عام 1967م، قامت كل من السعودية والكويت بتقديم مساعدات مالية كبيرة لمنظمة التحرير الفلسطينية ودول المواجهة لإسرائيل. واستمر الدعم الخليجي لفلسطين وقضيتها ماليًا ودبلوماسيًا بعد النكبة، ففي 16 أكتوبر 1973م، وأثناء اشتعال الحرب بين سوريا ومصر وإسرائيل، قررت دول الخليج خفض الإنتاج من النفط، وفرضت حظرًا على شحنات النفط الخام إلى الغرب خاصة الولايات المتحدة وهولندا.

ومنذ تأسيس مجلس التعاون في 25 مايو 1981م، وهو ينتهج مواقف واضحة وثابتة تجاه القضية الفلسطينية وعملية السلام لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، ورفض واستنكار السياسات والإجراءات العدائية ضده، وبذل المساعي والجهود لإيجاد حل عادل وشامل ودائم للصراع العربي الإسرائيلي. وقد رحب المجلس "بخارطة الطريق"، التي تنص على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والتوصل إلى إقامة دولة فلسطينية، وتنفيذ الالتزامات التي بنيت على أساس مؤتمر مدريد، ومبدأ الأرض مقابل السلام، وقرارات الشرعية الدولية. وعلى هامش هذه الجهود، فقد تقدمت السعودية بمبادرتين لإيجاد حل لهذا النزاع في العام 1981م، ولاحقاً في العام 2002م، كما شاركت دول المجلس، ممثلة بالأمين العام، في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991م، وفي قمة الدوحة عام 2013م، تم إنشاء صندوق دعم القدس بمجهود ومساهمة خليجية.

ومنذ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، جددت دول المجلس مبادراتها الدبلوماسية، واتخذت موقفا حازما ضد حرب الإبادة التي تقوم بها اسرائيل في قطاع غزة وعملت بنشاط على إشراك المجتمع الدولي، وإدانة ما تعتبره عمليات بربرية غير مبررة من جانب إسرائيل، ودعت إلى وقف فوري للأعمال العدائية. ففي الدورة الـ 44 للمجلس الأعلى لمجلس التعاون، أكدت دول المجلس على أهمية تنسيق العمل الدولي المشترك الرامي لوقف العمليات العسكرية في غزة، ودعت إلى ضرورة اعتماد السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط والذي لن يتحقق إلا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، القابلة للحياة، وعاصمتها القدس، والانسحاب الإسرائيلي من الجولان العربي السوري المحتل إلى خط الرابع من يونيو من عام 1967م، ومن مزارع شبعا في جنوب لبنان.

وقد شهدت المرحلة جهودًا ومبادرات سياسية وإنسانية دعما للقضية الفلسطينية بشكل عام وأهل غزة بشكل خاص. وشملت الجهود دعم فلسطين في المحافل الدولية وخصوصًا داخل مجلس الأمن الدولي وتقديم مساعدات إنسانية لدعمها على مدار العام، وبلغت تلك الجهود ذروتها عقب التصعيد الإسرائيلي بقطاع غزة بعد 7 أكتوبر الماضي، من خلال المباحثات والاتصالات مع قادة ومسؤولي دول العالم لبحث جهود التهدئة والدعوة للحفاظ على أرواح المدنيين وتوفير الحماية لهم. ولم تتوان الدول الأعضاء عن تقديم المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني من خلال ما تقدمه الحكومات والمؤسسات الخيرية من مساعدات إنسانية لتخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة. كما سارعت دول المجلس لفتح ممرات إنسانية لنقل المساعدات الطبية والإغاثية إلى القطاع دون عوائق، وقامت دولة الإمارات بإنجاز المرحلة الأولى لأنبوب المياه العذبة من الحدود المصرية إلى رفح ليروي 150 ألف نسمة في غزة. كما ان دولة قطر بالإضافة الى مساعداتها المالية لحكومة حماس في غزة، لعبت دورًا بارزًا في صفقة تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل.

 -تحديات المبادرة العربية

تواجه المبادرة العربية للسلام تحديات صعبة، أبرزها التطرف الديني والاغتيال القومي وغياب القيادة الفلسطينية الموحدة.

في التحدي الأول تزعم السيدة دانييلا ويز وقد ولدت في تل أبيب عام 1943م، وهي من أبرز قيادات حركة المستوطنين: "إن حدود الدولة اليهودية هي من الفرات في الشرق إلى النيل في الجنوب الغربي" وتضيف في حوار مع مجلة نيويوركر الأمريكية "إذا قرر شخص ما اختراع دين جديد اليوم، فمن سوف يضع القواعد؟ إنها الأمة الأولى التي حصلت على الكلمة من الله والوعد من الله. الآخرون الذين يتبعون المسيحية والإسلام يمكن أن يعيشوا في أي مكان في العالم، لقد جاؤوا بعدنا، فلماذا في إسرائيل؟" وتؤكد في نهاية اللقاء أن حركة المستوطنين "تبذل جهودها للعودة إلى غزة وبناء المستوطنات". ويستكمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الوعد السماوي فيكشف لجنوده وسط الدمار في غزة "نحن من أباد العماليق...الآن اذهب واضرب عماليق ولا تعف عنهم بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعًا، بقرًا وغنمًا جملاً وحمارًا".

وقبل أن يستأثر "الكيان الصهيوني بمملكة السماء وحده تتصدى الجمهورية الإسلامية في إيران المدعومة بآيات الله، فتعلن على لسان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري إسماعيل قاآني" إن محور المقاومة بقيادة إيران سيستمر بالعمل في لبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين حتى ظهور الإمام الغائب وتشكيل حكومته". وهكذا تتولى الغيبيات اتخاذ القرارات تاركة لأهل الأرض شغف الموت والدمار في حروب يحكمها القتل لا العقل حتى نهاية الزمان.

أما التحدي الثاني فهو محاولة سلب القضية الفلسطينية من هويتها القومية وتحويلها إلى مستوطنة فارسية تخدم مصالح الإمبراطورية ولعل التصريح الذي أطلقه الناطق باسم الحرس الثوري الجنرال رمضان الشريف يكشف عن هذا الطموح الإيراني، عندما أكد أن عملية طوفان الأقصى جاءت ردًا على مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني بغارة أمريكية في العراق. ومثله هدد الجنرال محمد رضا نقدي بإقفال الممرات البحرية في البحر الأحمر وصولًا إلى مضيق جبل طارق وعبورًا من البحر المتوسط، وهو ما نجح الحوثيون في تنفيذه في البحر الأحمر، وبالطبع استثنى الجنرال مضيق هرمز كي تبقى إيران بعيدة عن المسرح ولا تتورط في "وحدة الساحات". ومن المهم في هذا المجال إعادة التأكيد على أن حركة المقاومة الفلسطينية منذ نشأتها هي حركة تحرير وطنية وحركة مقاومة قومية عربية لا طائفية ولا مذهبية.

أما التحدي الثالث فهو الخروج القهري أو الطوعي عن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي اعترفت بها القمم العربية، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وكذلك إسرائيل ومثلها الأمم المتحدة. إن التنوع داخل الوحدة هو دليل صحة وعافية سواء للدول أو حركات التحرير، ولكن الانشقاق تحت أي هدف أو مسمى لا يخدم القضية، وهو ما أثبتته التجارب المريرة وما يجري في غزة اليوم وفي الضفة الغربية هو أحد التجليات المريرة.  

الواقع والمأمول

يختصر الناطق باسم الجيش الإسرائيلي المستقبل المنظور لمأساة غزة بعبارة واحدة "إن عام2024م، هو عام الحرب" وهو ما تؤكده الحكومة اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو، تصريحًا وتلميحًا. لكن المجتمع الدولي، والدول الكبرى ترى أن لكل حرب بداية ونهاية، وبالتالي فإنها تطرح مجموعة من الحلول العاجلة والآجلة لهذه الحرب الدموية، وكل هذه الحلول تلتقي عند نقطة واحدة، هي أنه لا يمكن فصل مستقبل الشعب في غزة عن مستقبل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة. ومن بين الحلول المطروحة حاليًا هو وضع غزة تحت الوصاية الدولية، وكان سبق للرئيس محمود عباس أن طلب في عام 2014م، أن تشمل الوصاية الدولية الضفة الغربية وغزة. أما المحامية التي شاركت في المفاوضات حول وضع غزة في العام 2005م، ديانا بوتو فترى أن الحل القريب هو أن يمنح الفلسطينيون حق تقرير المصير وتكتب في "نيويورك تايمز " إن مستقبل غزة مثل مستقبل الضفة الغربية متروك للفلسطينيين أن يقرروا "إنهم يريدون الحرية". كما أن أحد الحلول الآنية المطروحة هو أن تقوم الأمم المتحدة بدور رئيسي في مرحلة انتقالية تتولى فيها تصريف الشؤون الإدارية في القطاع بمساعدة دول الجوار العربية في القيام بدور أمني. وفي كل الحالات فإن هناك إجماعًا عالميًا على ضرورة انسحاب جيش الاحتلال من غزة ووضع حل شامل وعادل ودائم للقضية الفلسطينية.

أما على المستوى العربي والإسلامي فإن هذه الحلول تبدأ من مبادرة السلام العربية والتي أقرتها القمة العربية الرابعة عشر في بيروت عام 2005م، وهي تستوحى في معظم بنودها من المذكرة التي قدمتها السعودية إلى قمة فاس عام 1982م، مع تعديلات أضيفت إليها نتيجة لسياسة إسرائيل التوسعية.

وتؤكد المبادرة على "اعتبار النزاع العربي -الإسرائيلي منتهيًا" ، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة، وإنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار السلام الشامل وضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة.

وفي أول خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة جدد الملك سلمان بن عبد العزيز الدعوة إلى اعتماد مبادرة السلام العربية كأساس حل شامل وعادل يضمن قيام دولة مستقلة للفلسطينيين وعاصمتها القدس. وقد جاءت مبادرة السلام العربية استجابة لقرار منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1988م، باعتماد حل الدولتين وحق العودة للاجئين الفلسطينيين لاستعادة أراضيهم المحتلة في فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية. واليوم وبعد أن مضى 19 عامًا على طرح هذا المشروع العربي للسلام نجد أن تل أبيب تمضي في الاتجاه المعاكس.

 فرئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، يصرح معلنًا " أنا الوحيد الذي سأمنع قيام دولة فلسطينية في غزة ويهودا والسامرة" ويرفق القول بالفعل فتطحن آلته العسكرية البشر والحجر في قطاع غزة، ويطلق أحقاد المستوطنين المتطرفين بعد تحويلهم إلى ميليشيا مسلحة مدعومة بجيش الدفاع الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، بينما يتناوب وزراؤه على الدعوة إلى التهجير القسري أو الطوعي نتيجة التجويع والقصف العشوائي للمدنيين في غزة، ويقر الكنيست الإسرائيلي تعديل قانون "حق المواطنة" بما يسمح بنزع الهوية الإسرائيلية عن العرب في إسرائيل، وطردهم خارج الدولة العبرية، وهذه السياسة ليست جديدة فقد اعتمدها نتنياهو منذ اغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين على يد متطرف يميني عام 1995م، وصعود حزب الليكود الذي بدأ تدريجيًا بإلغاء "اتفاقية أسلو 1 و 2" وقد وقعها كل من إسحاق رابين وشمعون بيريز وياسر عرفات، وتقضي باعتراف إسرائيل بمنظمة  التحرير الفلسطينية باعتبارها ممثلاً للشعب الفلسطيني، ومتابعة المفاوضات بين الطرفين وفق القوانين 242 و338 بما يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس. وقد اعتمد نتنياهو المبدأ الاستعماري القديم وهو "فرق تسد" وهدفه نزع الشرعية عن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وإقامة سلطة موازية في قطاع غزة إثر انشقاق حركة حماس عام 2007م، وتشكيل حكومتها في غزة ليؤكد غياب المفاوض الفلسطيني مما يتيح له بناء مستوطنات جديدة وتوسيع المستوطنات القائمة وخنق طموحات الفلسطينيين وقرارات الأمم المتحدة في إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وفي هذا السياق نشير إلى “خرائط المستوطنات الإسرائيلية التي صدمت أوباما" وهو عنوان تحقيق نشرته صحيفة "نيويوركر" الأمريكية في عام 2018م، مرفقًا بالخرائط، كشف فيه فرانك لوينشتاين مبعوث الرئيس الأمريكي باراك أوباما الخاص للمشاركة في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية عن خرائط لم يكن الأمن الإسرائيلي صرح بها تبين أن المستوطنات المخطط لإنشائها تحتل حوالي 80% من مساحة الضفة الغربية وأن المناطق المأهولة بالفلسطينيين معزولة عن بعضها بصورة لا يمكن معها أن تقوم دولة فلسطينية. ويقول لوينشتاين أنه حمل الخرائط إلى وزير الخارجية جون كيري بعد أن أكدت الاستخبارات الأمريكية صحتها، التقى كيري بانتظام مع أوباما في المكتب البيضاوي وخلال أحد تلك الاجتماعات وضع كيري الخرائط واحدة تلو الأخرى، حتى يتمكن الرئيس ومستشاروه من دراستها. وذكر بن رودس أحد مستشاري أوباما الأطول خدمة، أن الرئيس صدم لرؤية مدى "منهجية" الإسرائيليين في عزل المراكز السكانية الفلسطينية بعضها عن بعض. ولم يعرض لوينتشتاين الخرائط على الإسرائيليين، لكنه أطلعهم على النتائج الرئيسية التي تم دمجها في خطابات كيري وغيرها من الوثائق، وقال لوينتشاين "أن الإسرائيليين لم يطعنوا أبدًا في هذه النتائج".

وينتهي التقرير إلى التأكيد إلى أن الرئيس أوباما، وبسبب انزعاجه من السلوك الإسرائيلي قرر الغياب عن التصويت على قرار مجلس الأمن الذي يدين المستوطنات، مما يمهد الطريق لإقراره، وكان هذا آخر تحد لأوباما ضد نتنياهو قبل أن يتولى دونالد ترامب منصبه ويضع سياسات أكثر قبولًا للمستوطنين".

وقد منحت الحرب في غزة حكومة إسرائيل فرصة جديدة للقضاء على مشروع حل الدولتين، فأوكلت إلى وزير المالية سمويتريتس، أبرز المتعصبين فيها مسؤولية الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهو بدوره كلف أحد أعضاء حزبه "الجمهورية الدينية" برئاسة ما أسماه "لجنة يهودا والسامرة" وهو ما أدى إلى طفرة غير مسبوقة في مشاريع الاستيطان ، كما أعلنت "حركة السلام الآن الإسرائيلية" وقالت المنظمة إن إسرائيل منذ يناير الماضي اندفعت إلى بناء  12855 وحدة سكنية للمستوطنين قي الضفة الغربية، وهو أعلى رقم تسجله المنظمة منذ عام 2012م. ومنذ بداية الحرب في غزة تقول المنظمة الإسرائيلية أن المستوطنين أعادوا إنشاء أكثر من عشر بؤر استيطانية، وشقوا ما يزيد على 18 شارعًا جديدًا وأن تلك الشوارع تتيح استيلاءهم على مناطق واسعة النطاق على طول مسار الطريق. وفي السياق نفسه تذكر الأمم المتحدة أن نحو 700 ألف مستوطن يقيمون في 279 مستوطنة في أنحاء الضفة الغربية والقدس الشرقية، بينما يعيش أكثر من ثلاثة ملاين فلسطيني في المنطقة نفسها تحت الحكم العسكري الإسرائيلي. وهذا ما يكشف أن مبادرة السلام العربية، كي تتحول إلى واقع، تحتاج إلى رعاية دولية باتت ممكنة بل وحتمية بعد أن تحولت أرض فلسطين إلى كرة من لهب تتقاذفها الطموحات الإقليمية والعصبيات العرقية والدينية والمذهبية.

مؤتمر السلام أو مدريد (2)

إن الحرب في غزة على اختلاف المواقف والآراء شعبيًا ودوليًا منها، تكاد تتفق على إدانة الفظائع وحق الشعب الفلسطيني في دولة مزدهرة وقابلة للحياة، ولعل الزيارات المكوكية لوزير الخارجية الأمريكي ومبعوثي الرئيس بايدن للمنطقة إحدى العلامات التي تعيدنا إلى مؤتمر السلام ، وقد عقد عقب حرب تحرير الكويت وسبقنه ثماني جولات قام بها وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر في المنطقة، ثم تتويجها في عام 1991م، بانعقاد مؤتمر مدريد للسلام وقد وجهت الدعوة إليه كل من الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي معًا، ووصفه الوزير الإسرائيلي عضو الكنيست سابقًا يوسي بيلين ، في احتفال أقامته الامم المتحدة في الذكرى الثلاثين للمؤتمر بأنه " كان معجزة، فقد أدى إلى اتفاقية أوسلو عام 1993م، بين منظمة التحرير وإسرائيل، وإلى اتفاقية السلام مع الأردن عام 1997م". وفي الوضع الحالي فإن دخول الصين مع روسيا والولايات المتحدة، وكلها يتفق على حل الدولتين، فإن المؤتمر سوف يتخذ زخمًا أقوى، خاصة إذا كان للمؤتمر فرصة فرض الحلول وبجدول زمني محدد وهو ما افتقر اليه مؤتمر مدريد.

مقالات لنفس الكاتب