array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 194

الرهان الخليجي على توازن إدارة الأزمات الخارجية والالتزام بالتعهدات الوطنية

الخميس، 25 كانون2/يناير 2024

تواجه مختلف الأقاليم الفرعية بالنظام العالمي - ومن بينهم منطقة الخليج العربي- تحديات متباينة تبدو غير مسبوقة، تتزامن مع تطورات إقليمية ودولية متسارعة، في ظل الانعكاسات المتباينة للهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، والتطورات المتلاحقة للحرب الروسية / الأوكرانية على مختلف المجالات الحيوية سياسيًا واقتصاديًا عالميًا، وتباطؤ أنماط التعافي الاقتصادي جراء جائحة كورونا ومتحوراتها، فضلاً عما تشهد المنطقة من تحولات هامة في العديد من الملفات سواء حالة التحالفات أو تلك التي تتعلق بمسارات التسوية السياسية وإقرار خطط السلام بدول الاضطراب، وكذلك اختبار فرضية التفاهمات السعودية / الإيرانية وانعكاساتها المباشرة على التوطئة الأمنية والتنموية بالمنطقة، فضلاً عن تزايد الشكوك حول مدى الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة العربية مع تحول اهتمام واشنطن إلى منطقة الإندو- باسيفيك لتعزيز المواجهة أو التنافس مع الصين، وعدم التوصل بعد إلى حل للملف النووي الإيراني يتوافق مع مختلف الأطراف الإقليمية، فضلاً عن استمرار حالة عدم اليقين في عدد من دول الجوار الإقليمي، وإعادة إنتاج خرائط التحرك للفواعل من دون الدول والتنظيمات الإرهابية والمتطرفة مثل تنظيم القاعدة وداعش. إذ أن تلك التحديات قد تدفع بإعادة بلورة الأدوار الخليجية وفقًا لعدد من المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية، واختبارها على النحو التالي: 

تحركات قائمة:

خلال الفترة الماضية، تم اختبار نجاعة الأدوار الخليجية في عدد من الملفات ذات التشابكات الإقليمية والدولية، وذلك على النحو التالي: 

  • الدور الخليجي في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي: تباينت المبادرات الدبلوماسية خليجيًا في إدارة الأزمة القائمة على نحو ما يُعيد تعريف "الدور والمكانة لدول الخليج" والذي امتزج ما بين التصريحات المنددة، وأخرى المُعتدلة، وصولاً إلى أدوار وساطة فعلية وخطوات سياسية ودبلوماسية فاعلة لإقرار الهدنة والانتقال لمسارات التفاوض والحل. فعلى سبيل المثال: عقدت المملكة العربية السعودية "القمة العربية / الإسلامية المشتركة" في 11 نوفمبر2023م، حيث دعت هذه القمة لوقف العمليات العسكرية في غزة بشكل فوري إلى جانب دعوة المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في "جرائم الحرب" التي ترتكبها إسرائيل. بالإضافة إلى دور الوساطة القطري بجانب القاهرة في إدارة ملف الرهائن لدى كل من حركة المقاومة حماس وحكومة تل أبيب، وإقرار الهدنة بين الطرفين واستثمار ما يمكن البناء عليه في الانتقال لمرحلة المفاوضات والحل الشامل والعادل نحو حل الدولتين وفقًا لحدود 1967م، استنادًا للتصورات العربية لإنهاء الصراع.

 

  • الدور الخليجي في الأزمة الروسية / الأوكرانية: تبنت دول الخليج العربي موقفاً محايداً من الأزمة الروسية الأوكرانية عبر بيانات مجلس التعاون الخليجي والتي انتهت إلى التمسك بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، والحفاظ على النظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها واستقلالها السياسي، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها. فضلاً عن التحركات نحو تغليب لغة الحوار، وتسوية النزاع من خلال المفاوضات. فعلى سبيل المثال: نجحت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في دور الوساطة كمحاولة لاحتواء تداعيات الأزمة القائمة، فضلاً عن دعم كافة الجهود لتسهيل تصدير الحبوب وكافة المواد الغذائية والإنسانية من أوكرانيا للمساهمة في توفير الأمن الغذائي للدول المتضررة.

 

 

  • الدور الخليجي في التعافي من جائحة كورونا: نجحت دول الخليج العربي في تعزيز تحركاتها نحو مواجهه الجائحة على كافة المستويات الوطنية والإقليمية، فضلاً عن دعم جهود المجابهة عالميًا. فعلى سبيل المثال: لم تقتصر دولة الإمارات العربية المتحدة على التحرك لإنجاز متطلبات احتواء الجائحة بالداخل الوطني فقط، بل بادرت إلى تقديم المساعدات الإنسانية خارج حدودها الوطنية، مثل: تحريك قوافل الإغاثة الإماراتية والخليجية لتصل إلى العديد من الدول، وهي مواقف أشادت بها جميع المنظمات الإنسانية والصحية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، كذلك إنشاء مدينة "الإمارات الإنسانية"، وتقديم المساعدات إلى اليمن وعدد من الدول الفقيرة والأكثر هشاشة.

 

  • الدور الخليجي في موازنة القضايا النوعية: يتعلق بالتحركات الخليجية لموازنة تداعيات عدد من الملفات النوعية غير التقليدية، وفى مقدمتها الأمن الغذائي، وملف الطاقة، وملف التغيرات المناخية وتحدى "الحياد المناخي". فعلى سبيل المثال: أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، في نوفمبر 2022م، عن شراكتهما الاستراتيجية لاستثمار 100 مليار دولار في مشروعات الطاقة النظيفة لتبلغ طاقتها الإنتاجية 100 جيجاوات في كل من دولة الإمارات والولايات المتحدة ومختلف أنحاء العالم بحلول عام 2035م، فضلاً عن استضافة دولة الإمارات العربية المتحدة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ "COP28" في 2023م، دون إغفال تحركات المملكة العربية السعودية – عبر الوساطة الصينية - لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع الجانب الإيراني، في خطوة تصنف كإحدى أهم الخطوات الناجعة نحو تهدئة الأوضاع وإعادة النظر نحو تقييم أطر الاستقرار والتعاون الأمني والتنموي بالمنطقة.

فرص مُحتملة: 

يأتي عام 2024م، ليعيد صياغة الأدوار الخليجية بإقليم الشرق الأوسط والنظام الدولي ككل، وذلك بما يتفق مع رؤية القادة على مستويين، الأول: داخلي يتعلق بتلبية احتياجات شعوبهم التنموية عبر استثمار الإمكانيات المتاحة وتفعيل شراكات إقليمية ودولية ناجحة، والثاني: خارجي عبر التحرك نحو تموضع أجندة دول الخليج العربي على خريطة التفاعلات الإقليمية والدولية، وذلك انطلاقًا من عدد من المحددات: 

  • دوليًا - جاذبية النموذج الخليجي: إذ أصبح ينظر الغرب إلى الكتلة الخليجية على عدد من المستويات، حيث، اقتصاديًا: التعويل على منطقة الخليج في حل أزمة الطاقة الدولية في أعقاب تطورات الحرب الروسية الأوكرانية وهو ما انعكس على العديد من الزيارات الأمريكية والألمانية والبريطانية، بالإضافة إلى القمم الدولية مع الكتلة الخليجية، وسياسيًا: رهان القوى الدولية على إدارة منطقة الخليج للارتدادات الخاصة بالاتفاقيات الإبراهيمية على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية، واختبار انعكاساتها على توطئة العديد من الملفات العالقة بالمنطقة، وفى مقدمتها "القضية الفلسطينية" ومستقبل عملية التسوية السياسية وحل الدولتين.

 

  • إقليميًا -مقاربة مؤسسية جديدة: تُبنى على فرضية إعادة ترتيب البيت الخليجي ضمن بناء توافقي قائم على تفاهمات مشتركة حول وحدة الأهداف ودرء التهديدات، ومحاولة رأب الصدع مع القوى الصاعدة خاصة تركيا، وإعادة الحوار مع طهران كإحدى أوراق المرابحة لخلق مساحات مشتركة لضمان استقرار الإقليم في حال تم إقرار الاتفاق النووي الإيراني وهو ما أفرز الاتفاق "السعودي – الإيراني" لاستئناف العلاقات الدبلوماسية فيما بينهم، فضلاً عن التوسع في خرائط حلفائها واستقطاب فواعل جدد مثل الهند والصين.  

 

  • وطنيًا – التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية: تتعلق بالاستعداد المرن لمرحلة "ما بعد النفط"، وذلك عبر التحرك وفقًا لعدد من المسارات الاقتصادية بالمقام الأول، أبرزها: تنويع مصادر الدخل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية عبر أدوات إنتاج جديدة مثل الاستثمار في القطاع التكنولوجي والتجارة الإلكترونية وتنويع سلاسل الاستثمارات الخارجية والأجنبية المباشرة في ضوء استقلالية القرار الخليجي القائم على حماية المصالح الوطنية والقومية لدول المنطقة، وتحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الدولية، وذلك استنادًا إلى ثلاث محددات:

 

  1. العقلية البراغماتية الوطنية لحكام دول الخليج، خاصة: السعودية والإمارات وقطر، والتي تجاوزت طبيعة العلاقات السابقة وانتهاج سياسة نوعية غير تقليدية.

 

  1. القراءة الصحيحة لحالة السيولة والارتباك في النظام الدولي، والتغير بموازين القوى والانتقال من عصر الأحادية الأمريكية بالنظام العالمي إلى التعددية وصعود قوى لا يمكن تجاهل تأثيراتها مثل الصين وروسيا والهند، بالإضافة إلى ظهور تكتلات جديدة ذات ثقل مثل البريكس ومجموعة شنغهاي.

 

  1. إدراك حكام دول الخليج أن التفاعلات النوعية القائمة تفرض أهمية "الإصلاح الشامل" على كافة أوجه الحيوية الاجتماعية والاقتصادية والتنموية والسياسية والأمنية.

 

خطوات تعزيزية:

مع تنامى حجم التهديدات التقليدية وغير التقليدية لدول الخليج العربي فى2024م، أصبح هناك الحاجة لإعادة النظر فيما يُعرف بـ "مظلة الأمان"، وهو ما يدفع نحو التحرك لخلق وتعزيز مقاربات أكثر استقلالية، وأكتر فاعلية. وهو ما يؤسس لعدد من الخطوات التعزيزية، أبرزها: 

  • تعزيز متطلبات الأمن الجماعي: تُبنى تلك النقطة على استراتيجية "الأمن الدفاعي المشترك"، وهي تلك الخطوات ذات المرجعية بالنظر إلى قرار دول الخليج تشكيل "قوة عسكرية مشتركة"، والتي أعلن عنها في الرياض عام 2019م، إذ يحمل هذا الإعلان دلالة هامة ذات ثقل نوعي، ألا وهي "العمل والتنسيق المشترك"، إذ لا يمكن تجنب انعكاسات أي اضطرابات قائمة أو مُحتملة إلا بالتنسيق المشترك الذي من شأنه الحيلولة دون تفاقم التهديدات – سواء الداخلية أو الخارجية -التي تطال نظام الأمن الجماعي الخليجي.

 

  • تنويع الشراكات والتحالفات: تفرض التحولات والأزمات السياسية والاقتصادية القائمة بالنظام العالمي وانعكاساتها المتباينة على الأقاليم الفرعية، التحرك نحو توسيع دوائر الشراكات والتحالفات، دون إغفال الأدوار الخليجية المتميزة مع حلفائها التقليدين عبر مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية. إذ من المُرجح تعزيز مسارات الاستدارة والتوسع نحو تنويع الشراكات مع القوى الصاعدة مثل الصين والهند وروسيا ودول أمريكا اللاتينية، فضلاً عن الكتلة الأوروبية بما يخدم مصالح دول الخليج والمنطقة العربية ككل، لا سيما في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار أو عدم اليقين من جهة، وعدم وجود ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية دائمة من جهة أخرى، إذ تفرض التطورات القائمة أن يكون هناك توازن مرن على كافة مستويات العلاقات الثنائية والمتعددة.

 

  • تعزيز الأمن السيبراني: تفرض التطورات المتسارعة بنمط التهديدات غير التقليدية الحاجة إلى التركيز على تعزيز مجال الفضاء الإلكتروني، وتطوير اللوائح والاستراتيجيات الوطنية في مجال حماية الأنظمة والمعلومات التي تعتمد بشكل كبير على التقنيات الرقمية المتقدمة. وتعزيز العمل الخليجي المشترك في الأمن السيبراني عبر إنشاء مركز للأمن السيبراني لدول مجلس التعاون الخليجي، بحيث يقوم بتقديم رؤية واضحة لتحديد التهديدات السيبرانية وتعزيز سبل مواجهتها خليجيًا.

 

  • تعظيم أصول وأنماط القوة الناعمة: تتعلق تلك النقطة بالتحركات المؤسساتية لتعزيز فرضية "جاذبية النموذج"، ودعم أنماط القوة الناعمة للدولة الوطنية، فعلى سبيل المثال: أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة "استراتيجية القوة الناعمة لدولة الإمارات" عام 2017م، وذلك ضمن أعمال الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات، فضلاً عن إنشاء مجلس تحت مسمى "مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة"، بالإضافة إلى نجاعة إدارتها لمعرض "آيدكس – 2023" ومؤتمر الأطراف cop28. لتكون بذلك أول دولة في العالم تنتقل بمفهوم القوة الناعمة من الإطار المفاهيمي النظري إلى الإطار التطبيقي والتخطيط والمأسسة. وهو ما أهلها لأن تحتل المرتبة العاشرة عالمياً والأولى إقليمياً في قوة التأثير، وفق مؤشر القوة الناعمة العالمي لعام 2022م، لتعزز مكانتها -من حيث التأثير الإيجابي -كواحدة من أكبر دول المنطقة والعالم.

 

تأسيسًا على ما سبق .. يبدو أن الأدوار الخليجية في رهانات متباينة إقليميًا ودوليًا استنادًا إلى زخم التفاعلات ذات الأولوية، وتشابكها على عدد من المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والتنموية، فضلاً عن ارتداداتها الحيوية على الداخل الوطني والإقليم العربي ككل. على نحو ما قد يُعيد صياغة تلك الأدوار، وعمق تأثيرها، ليبقى الرهان الرئيسي متمثلاً في مدى توازن التموضع الخليجي خارجيًا على خارطة إدارة الأزمات وتفاعلاتها بالشرق الأوسط، والالتزام بالتعهدات الوطنية التنموية والسياسية والأمنية بالداخل.   

مقالات لنفس الكاتب