array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 195

إطلاق منتدى بين مركز الخليج للأبحاث والمركز المصري حول البحر الأحمر تعاون السعودية ومصر أهم حلقات تأمين البحر الأحمر بمشاركة إقليمية ودولية

الخميس، 29 شباط/فبراير 2024

نظم مركز الخليج للأبحاث بالمملكة العربية السعودية، والمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية بالقاهرة حلقة نقاشية حول (أمن البحر الأحمر: التحديات والحلول بين المسؤولية الإقليمية والمجتمع الدولي) عبر تقنية الزوم يوم الخميس 8 فبراير 2024م، وتحدث فيها كل من  الدكتور عبد العزيز بن صقر رئيس المركز والأستاذ الدكتور صالح بن محمد الخثلان مستشار أول بالمركز (من مركز الخليج للأبحاث) ، وتحدث من المركز المصري للفكر كل من: الدكتور محمد مجاهد الزيات  المستشار الأكاديمي للمركز، والأستاذ الدكتور محمد كمال عضو الهيئة الاستشارية للمركز وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وأدار الحوار اللواء محمد إبراهيم الدويري نائب مدير عام المركز، وشارك بالمناقشة والمداخلات كل من الدكتورة دلال محمود رئيسة برنامج الأمن والدفاع بالمركز وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والدكتورة هدى رؤوف رئيسة وحدة الدراسات الإيرانية بالمركز ، ومدرس العلوم السياسية، والدكتور أحمد أمل رئيس وحدة الدراسات الإفريقية بالمركز وأستاذ العلوم السياسية.

وأوصت الحلقة بعدة توصيات مهمة منها:

ــ التأكيد على أهمية التعاون السعودي / المصري في تأمين البحر الأحمر وأن يكون التعاون بين الدولتين الأكبر على البحر الأحمر نواة للتعاون الإقليمي والدولي لتوفير الأمن لمنطقة البحر الأحمر.

ــ الاتفاق على إطلاق منتدى دائم بين مركز الخليج للأبحاث والمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية لمناقشة كافة القضايا المتعلقة بمنطقة البحر الأحمر من النواحي الأمنية والعسكرية والاقتصادية والبيئية وغير ذلك

ــ التأكيد على أن إيران تستخدم الحوثيين ورقة ضغط للتعامل بها مع الولايات المتحدة الأمريكية في مفاوضات أخرى خاصة بالمصالح الثنائية

ــ التأكيد على أن الولايات المتحدة لا ترغب في ردع إيران أو الحوثيين ولم تتحرك بجدية في هذين الملفين

ــ توضيح رغبة إيران في السعي إلى الهيمنة على الممرات المائية والانتقال من مرحلة تصدير الثورة والهيمنة على الأرض إلى مرحلة الهيمنة على المياه

ــ هناك مخاطر مزدوجة على البحر الأحمر من الجهتين الإفريقية والآسيوية ومصدر التهديد من إفريقيا جماعة الدعم السريع وتغلغل إثيوبيا في أرض الصومال ومن الجانب الآسيوي الحوثيين وإيران

ــ التأكيد على ضرورة إيقاف حرب غزة وحل القضية الفلسطينية وإقامة الدولتين لإسقاط عودة ظهور الجماعات الإرهابية والتذرع بالدفاع عن القضية الفلسطينية.

*د. عبد العزيز بن صقر:

 واستهل الحديث الدكتور عبد العزيز بن عثمان بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث حول الوضع الحالي في البحر الأحمر وشرح التطورات وأسبابها وقدم رؤية استشرافية لمعالجة الأوضاع في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وقال:

 لقد اشتدت المخاطر في البحر الأحمر في السنوات العشر الأخيرة بعد أن سيطرت جماعة الحوثي على اليمن، وكان في السابق  قد شهد البحر الأحمر  عمليات قرصنة بحرية وعملت المملكة ومصر ودول أخرى على مواجهة هذه القرصنة، لكن تغير الوضع في مارس 2015م، عندما استولت ميليشيات الحوثي على السلطة في صنعاء وتغيرت الأوضاع وتدخلت إيران التي استفادت من الوضع ودعمت جماعة الحوثي كعادتها بالتعامل مع الأذرع المسلحة التابعة لها وليس مع الدول مباشرة ونتج عن ذلك اعتداءات على السفن البحرية بزوارق مفخخة وبالطائرات بدون طيار، وسط تخاذل وصمت عالمي لتجاهل مصدر التهديدات والجهة التي تقف خلفها ما جعل إيران تستغل الفرصة وتواجدت بسفن لها أمام الشواطئ اليمنية للقيام بالإمداد وإرسال الأسلحة و تدريب عناصر من جماعة الحوثي على العمليات العسكرية  الأمر الذي سمح لإيران وذراعها في اليمن أن تكون لاعبًا في البحر الأحمر ، ثم تطور الأمر بعد أحداث غزة التي بدأت في 7 أكتوبر الماضي وترتب عليها مواجهة إيرانية / إسرائيلية في البحر الأحمر وبحر العرب وفي مضيق باب المندب ، حيث يعتبر المضيق والمجرى الملاحي في البحر الأحمر شريان حيوي لإسرائيل ويمر خلاله  34% من وارداتها  ومن ثم أصبحت هناك مواجهة وحرب الإنابة ما بين الطرفين، واستخدم الحوثيون أحداث غزة كرسالة سياسية وساعد على ذلك أن إيران تستخدم استراتيجية تحريك الأذرع في المنطقة ومنها الحوثي، و وجدت إيران فرصة مهمة  في هذه المواجهة وهي: أن تكلفة هذا النوع من التهديد ليست عالية فهي تستخدم طائرات بدون طيار وصواريخ تقوم بتصنيعها مع استعداد الحوثي لتنفيذها للعودة للظهور ولفت أنظار العالم إليها، خاصة أن الحروب تعطي الفرصة للجماعات الإرهابية للظهور كما حدث في حرب أفغانستان التي أوجدت تنظيم القاعدة، والغزو الأمريكي للعراق أوجد تنظيم داعش، وحرب غزة أعطت الفرصة لجماعة الحوثي حيث أرسلت إيران صواريخ ومسيرات  لتستخدمها جماعة الحوثي ضد إسرائيل مباشرة أو في الهجوم على السفن التجارية في البحر الأحمر ما جعل أمريكا تدعو لتشكيل (تحالف الازدهار) الذي تحفظت عليه المملكة العربية السعودية كما تحفظت بعض الدول التي رفضت أن تكون طرفًا من هذا التحالف وكانت التحفظات بسبب عدة أسباب منها:

* أولًا، قانون البحار الذي صدر عام 1981م، واضح ويقر حرية وسلامة الملاحة وأمن البحار والممرات المائية وهو صادر بقرار أممي، وعليه لماذا لا نلجأ إلى مجلس الأمن لإصدار قرار أممي وليس مبادرة من دولة واحدة لتكوين تحالف ربما يكون له تداعيات أخرى مختلفة.

 *ثانيًا، المملكة سعت منذ فترة للهدنة مع الحوثيين وحرصت على مفاوضات سياسية جادة بين الحوثين والحكومة الشرعية اليمنية للوصول إلى وفاق دائم وتحقيق ما تم الإعلان عنه من خارطة الطريق التي أعلن عنها المبعوث الأممي.

*ثالثًا، المملكة ترى أن الحل الدبلوماسي هو الأساس وليس التصعيد العسكري لأنها لا تريد تصعيدًا عسكريًا أكثر في المنطقة.

 *رابعًا، أمريكا تريد مشاركة المملكة لإضفاء الشرعية على عملياتها العسكرية، وهنا ترى المملكة أن مسؤولية أمن البحر الأحمر هي مسؤولية الدول المتشاطئة مع ضرورة العودة إلى قرارات مجلس الأمن ومنها القرار الذي نص على عدم تمكين الحوثيين من الحصول على أي أسلحة خارجية ولكن لم تلق هذه القرارات أي اهتمام، بينما عندما هددت جماعة  الحوثي إسرائيل ومصالحها تحركت الولايات المتحدة ، أي أن هذا التحرك جاء لمصلحة إسرائيل وليس مصلحة الدول المتشاطئة أو المجاورة لليمن، كما أن الضربات التي وجهها تحالف الازدهار جاءت على استحياء لخفض القدرات الحوثية وليس لاستئصال هذا الخطر ، وللأسف الشديد حينما نواجه الجماعات المسلحة غير الحكومية يكون هنالك تخاذل دولي كبير ، فهذه كارثة حقيقية ومعايير مزدوجة، والآن لا نعلم قدرة الضربات البريطانية والأمريكية  على تدمير قدرة الحوثي فحسب مزاعم الجماعة أنها تمتلك قدرات تخزينية في الجبال ولديها صواريخ وقدرات تمكنها من استخدامها ضد أي مكان وتجاه أي سفينة .

والحقيقة أن دول الجوار العربية والشعب اليمين نفسه هم الأكثر تضررًا من عمليات الحوثي حيث أن مصر والسعودية والأردن تضم جاليات يمنية كبيرة فمصر تحتضن ما يقارب 2 مليون يمني، وفي السعودية مليون و600 ألف يمني وكذلك الأردن التي تحتضن جالية يمنية كبيرة، أي ما يعني أن هذه الضربات تركت تأثيرًا  سلبيًا على الشعب اليمني نفسه لذلك نتمنى أن يسود المنطق والعقل وأن نرى مفاهيم مختلفة خاصة مع وجود  مسارين للاستراتيجية الإيرانية وهما الاستمرار في المفاوضات التي تمت في عمان سواء بين الجانب الأمريكي والحوثي أو بين الجانب الأمريكي و إيران وقدمت الأخيرة قائمة طويلة من المطالب وقد لا تحظى بقبول جميع الأطراف لذلك وجدت أن هجمات الحوثي وحزب الله أعطاها قوة أكثر وفي الوقت نفسه فإن إيران  أقل الدول تأثيرًا بتداعيات هذه الهجمات.

*د. صالح الخثلان:

ومن جهته قال الأستاذ الدكتور صالح الخثلان ـ مستشار أول بمركز الخليج للأبحاث أنه من منطلق عنوان حلقة النقاش (أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي التحديات والحلول) سأطرح أربع مسائل أظنها في غاية الأهمية وانتهي إلى مجموعة من التوصيات.

للمسألة الأولى:  هجمات الحوثي على السفن التجارية في البحر الأحمر تمثل تحول نوعي في مصادر التهديد للأمن في البحر الأحمر و خليج عدن، فتقليديًا كانت مهددات الأمن البحري تنطلق من التنافس الدولي وسعي إسرائيل لإيجاد مناطق نفوذ عبر تواجد عسكري في البحر الأحمر بإيجاد قواعد سواء في إثيوبيا، أوفي مناطق أخرى، لكن الآن انتقلنا إلى محاولات قوى إقليمية لإيجاد موطئ قدم في البحر الأحمر إضافة إلى القرصنة، ولم يكن في وارد البال أن نرى أكبر مصدر تهديد للأمن في البحر الأحمر من ميليشيا محلية وكان غائب عن مقاربتنا عندما نتحدث عن الأمن في البحر الأحمر. ولو قمنا بمسح للدراسات والكتب ورسائل الماجستير والدكتوراه سنجدها دائمًا تتحدث عن البعد الدولي المصدر الأول  للتهديد وكذلك المحاولات الإقليمية، لكن اليوم نواجه متغير وتحول كبير جدًا في مصادر التهديد لذلك لابد أن يحدث تحول في الحل، وبدون تغير في المقاربة سيكون صعب جدًا مواجهة التهديدات في المستقبل، مثلًا عندما نطرح تسيير دوريات مشتركة أو تبادل معلومات استخباراتية أو رصد مبكر نجدها مرتبطة بالمتغير الجديد المهدد للأمن وبناءً على ذلك نحن أمام مسارين، الأول أن تتحول  الهدنة الراهنة إلى سلام ويعود في اليمن وتصبح مصلحة وطنية لجميع مكونات اليمن بمعنى أن يتحرك الحوثي خارجيًا وفق مصلحة اليمن الوطنية وهنا يكون جزءًا من الترتيبات الأمنية ويصبح شريكًا في أي ترتيبات لحماية الأمن في البحر الأحمر لكن لا يوجد مؤشرات على تحقيق ذلك. أو أن يبقى الحوثي مستمرًا في مواقفه ويكون منطلقًا للاستراتيجية الإيرانية ، فمن يتابع سلوك الحوثي منذ استيلائه على السلطة في اليمن أنه هو جزء من استراتيجية إيران ويبدو أنه مستمر في ذلك.

المسألة الثانية، هي نظرتنا للبعد الدولي ، تقليديًا كنا ننظر للبعد الدولي أنه سبب ومصدر للتهديد في الأحمر بسبب التنافس سواءً أثناء الحرب الباردة والتنافس السوفيتي / الأمريكي أو حتى التنافس بين أمريكا والصين وروسيا اليوم وفي ظل ما تعيشه المنطقة من ظروف نجد دول المنطقة حريصة على المعالجة الدبلوماسية للأزمة، وعليه لابد من دور دولي إيجابي، لكن التحركات الحالية و تشكيل ما يسمى حارس الازدهار أو غيره بحاجة إلى إعادة النظر فلم يعد التنافس الدولي مصدر تهديد للأمن، بل قد يكون مصدرًا للأمن والاستقرار في ظل تهديدات ميليشيات الحوثي وهناك من يقول إن الولايات المتحدة تريد عسكرة البحر الأحمر فلم نجد قبل  ذلك أي تحركات أمريكية في البحر الأحمر لذا مهم جدًا إعادة النظر في البعد الدولي.

 المسألة الرابعة، تتعلق بسردية ما يحدث من جماعة الحوثي التي ترى أن ما يحدث هو رد فعل أنها تساند الشعب الفلسطيني وأن ما يحدث في غزة جريمة إبادة يوظفها الحوثي وكذلك القوى المرتبطة به.

 وأقترح مجموعة من التوصيات:

 التوصية الأولى، المنطقة بحاجه إلى تعاون ثنائي بين أهم دولتين في المنطقة وهما مصر والمملكة العربية السعودية ومن المكن أن يؤدي هذا التعاون إلى تسيير دوريات مشتركة وتبادل يعني معلومات استخبارية ورصد مبكر وغير ذلك.

 التوصية الثانية، أتمنى أن يطلق مركز الخليج للأبحاث والمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية منتدى إقليمي لأمن البحر الأحمر ، منتدى أكاديمي يكون منصة للتشاور وطرح الأفكار ويساعد صانع القرار ، خاصة أن المنطقة بحاجة إلى تشخيص دقيق، وإذا لم نقوم بتشخيص طبيعة المخاطر والتهديدات لا نعرف المعالجة ووضع الحلول المناسبة، وأعتقد وجود مثل هذا المنتدى قد تكون بدايته هذه الحلقة النقاشية التي نشارك فيها الآن.  

 اللواء محمد إبراهيم:

وعقب اللواء محمد إبراهيم الدويري نائب مدير المركز المصري بالشكر للدكتور عبد العزيز بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث ، معلنًا أنه تحدث عن حقائق  مهمة جدًا عن واقع قضية الأمن في البحر الأحمر وحقيقة الموقف الإيراني / الأمريكي، وأن التحرك الأمريكي جاء عندما تعرض أمن إسرائيل للخطر فقط، وأن واشنطن لم تحرك ساكنًا من قبل تجاه أخطار الحوثيين، والشكر للأستاذ الدكتور صالح الخثلان وأكد اتفاقه مع توصيفه لتهديدات أمن البحر الأحمر ومع التوصيات المقترحة وأكد على أهمية إطلاق منتدى أكاديمي من جانب مركز الخليج للأبحاث والمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، وأضاف أنه يجب أن نستغل الزخم الحالي في حل الصراع العربي / الإسرائيلي لأن هذا الصراع هو أساس عدم الاستقرار في المنطقة.

*د. محمد مجاهد الزيات:

وتحدث الدكتور محمد مجاهد الزيات المستشار الأكاديمي للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، وجاء في حديثه:

النقطة الأولى: دعوني أوضح أن أمن البحر الأحمر ليس شأنًا للدول المشاطئة فحسب، ولكنه يتسع ليشمل الدول ذات النفوذ والتي تسعى لأن يكون لها نفوذ، وكذلك الدول التي لديها مصالح على المستوى العالمي.

والنقطة الثانية، هي أنَّ الأمن في البحر الأحمر كمفهوم جيوسياسي يرتبط بصورة كبيرة بالأمن العربي والأمن الخليجي، وبصورة مباشرة بكل من الأمن القومي السُّعُوديَّ والمصري. فعلى سبيل المثال فإن 40% من شواطئ البحر الأحمر للسُّعُوديَّة كما تُمثّل الشواطئ المصرية 26% من شواطئ البحر الأحمر، وبالتالي فهما أكبر دولتين لهما مصالح في البحر الأحمر، ومعنيتان تمامًا بتحقيق الأمن والاستقرار في البحر الأحمر.

قضية الأمن في البحر الأحمر مطروحة منذ سنوات طويلة، لكنها كانت مقصورة على التهديدات المرتبطة بالنزاعات الداخلية وحوادث القرصنة؛ لكن الجديد كان منذ ظهور الحوثيين عام 2015م، ودخول إيران لتكون طرفًا في التأثير على الأمن في البحر الأحمر. والحديث عن الدور الإيراني لا يمكن قصره على البحر الأحمر ولكن عن الدور الإيراني في المنطقة بكاملها فهو كلّ لا يتجزأ؛ فهناك حرص إيراني على أنَّ تكون طرفًا أو أنَّ تسعى لأن تكون قوى إقليمية عظمى وبالتحديد منذ ثورة الخميني عام 1979م، ومبدأ تصدير الثورة الإسلامية الذي تحول من تصدير الفكر الشيعي إلى توسيع النفوذ العسكري والسياسي بالمنطقة، حيث بدأت إيران في الاعتماد على الأذرع التابعة لها؛ لتتولى من خلالها تنفيذ أهدافها دون أنَّ تتورط بصورة مباشرة. ومن هنا كان الوجود الإيراني في لبنان، ثم الوجود الإيراني في سوريا والعراق، والوجود الإيراني في اليمن.

أما عن أهمية الوجود الإيراني في اليمن فهو يرتبط بعدد من العناصر؛ أول هذه العناصر هي أنَّ اليمن كان بها قوات مسلحة قوية وكان هناك تسليح مهم للجيش اليمني قبل سقوط النظام السابق، فالجيش اليمني كان يمتلك صواريخ كروز، وكان يشهد بداية عملية تصنيع عسكري واعدة ثم جاء الحوثيون واستولوا على كافة القطاعات. وهناك تقارير للمخابرات العسكرية الأمريكية رصدت كم الأسلحة التي وفرتها إيران للحوثيين والتي فاقت وضاعفت كم الأسلحة التي وفرتها إيران لحزب الله. كما نجحت إيران في جعل الحوثيين في اليمن أحد أذرعها في المنطقة لتثبيت نفوذها في البحر الأحمر.

النظرية الاستراتيجية البحرية لإيران ترتكز على عناصر من بينها أنَّ يكون هناك وجود لإيران في البحار المطلة على المنطقة، وتوجد تصريحات لقائد البحرية في الحرس الثوري الإيراني مؤخرًا قال فيها إنَّ أساطيرنا موجودة وسنكون موجودين حتى في البحر المتوسط. كما أعلن عن تشكيل وحدة «باسيج» بحرية مشيرًا إلى أنَّ الأساطيل الإيرانية موجودة في المحيط الهندي وفي الخليج. وهنا إذا لم ينجح الحرس الثوري في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز بسبب الوجود الدولي العسكري الكبير هناك، فيمكنه تعطيل الملاحة في البحر الأحمر.

إيران لديها استراتيجية واضحة جدًا وهي إعاقة الهيمنة الأمريكية والأوروبية، وحرص إيراني على عدم الوصول للصدام مع أمريكا، وما زال هناك حرص إيراني على ذلك، وما حدث في العراق حيث تم ضرب المقرات في تقديري موقف ينطوي على نفاق سياسي في التعامل مع إيران. فالقوات الأمريكية نفذت 180 ضربة في العراق وسوريا منذ 7 أكتوبر 2023م، لكن الضربة المؤثرة هي التي جاءت في البرج 22 بالأردن وسقط فيه قتلى فتحركت أمريكا والغريب أنه ما بين تنفيذ الضربة والرد الأمريكي كانت هناك ثلاثة أيام حيث أُخليت فيها كل المنشآت التابعة للفصائل التي قامت بالعملية، حيث كانت الخسائر محدودة. ورغم اتهام إيران فلم تتخذ الولايات المتحدة موقفها من إيران. هذا النفاق السياسي يظهر أيضًا في التعامل مع الحوثيين، كما قال الدكتور عبد العزيز بن صقر، لماذا لم تذهب الولايات المتحدة لمجلس الأمن؟ ولماذا لم تُطالب بوضع الحوثي تحت الفصل السابع؟ لماذا لم يتحرك المجلس كقوى مشتركة؟ لماذا رفضت القوى الغربية الانضمام إلى "حارس الازدهار". وهنا يمكن القول أنَّ تلك الدول رأت أنَّ الهدف ليس هو ضمان الملاحة. وبالتالي جاء الاتحاد الأوروبي ليضمن حرية ملاحة السفن الخاصة به، كما أرسلت فرنسا قطع بحرية لهذا الهدف وكذلك إيطاليا.

هناك علامة استفهام كبيرة على الموقف الأمريكي بهذا الشأن؛ حيث تسمح لإيران بالاستمرار في سياستها. والحديث عن أنَّ الحوثي يُشارك في معركة غزة فهذا هو الطرح الإيراني حتى لا يقال أنَّ إيران خذلت حماس، وأن وحدة الساحات قائمة فضربة من الفصائل العراقية في منطقة صحراوية وضربة من الحوثي على الأراضي المصرية، ثم ممارسات الحوثي لتعطل الملاحة في قناة السويس تؤدي إلى خسائر اقتصادية قد تصيب الاقتصادات الأوروبية. كما تهدد مصالح دول غربية في منطقة الخليج. لكنها لم تصل للنهاية، فالمباحثات تجرى وتتوقف في سلطنة عمان بشأن برنامجها النووي، كما أنَّ الأرصدة الإيرانية في قطر مازالت مجمدة، وبالتالي فهي تملك أوراقًا لتحقيق مكاسب.

وفي تقديري أن إيران لم تتراجع عن سعيها للسيطرة في اليمن، فالحوثي يعد القوة الأولى في الأذرع الإيرانية في المنطقة بعد حزب الله خاصة أنَّ الأخير استهلكته المعارك التي جرت في سوريا، في حين أنَّ الحوثي لا يزال يمتلك قدرات عسكرية كبيرة والأسلحة التي وردت إليه من إيران لها تأثير كبير. ولا يزال الحوثي جرح في خاصرة دول الخليج، كما يفرض تهديدًا للاقتصاد المصري.

نحن مطالبون كمصر والمملكة العربية السُّعُوديَّة بإقامة نوع من التحالف يسبق تحالف الدول المشاطئة للبحر الأحمر، هذا التحالف القوي الذي أسميه : تحالف الدول الساعية للتنمية في إطار المشروع التنموي الطموح لولي العهد السُّعُوديَّ الأمير محمد بن سلمان في البحر الأحمر ومشروع نيوم، والحرص المصري على استثمار الجزر المصرية في السياحة. هذا هو تحالف الدول التي تسعى للتنمية ويجب أنَّ تحصن هذه التنمية بصورة كبيرة. يلي ذلك ضرورة أنَّ يكون هناك موقفًا جماعيًا تسانده الدول الخليجية وتُشارك فيه الأردن والدول التي ترغب في ذلك بهدف ممارسة الضغط على إيران لوقف ممارسات الحوثي في البحر الأحمر.

في اعتقادي، الأزمة في البحر الأحمر سوف تظل مشتعلة طالما بقيت أزمة غزة قائمة على ما هي عليه، وسيكون لانتهاء الحرب في غزة انعكاساته على الأمن في البحر الأحمر؛ لأن ما يجري الآن والحديث عن مستقبل التسوية، وقد لا أضيف جديدًا، لكن ممكن القول إنَّ إيران ترى أنَّ الأطراف التي ستجلس على مائدة التفاوض لن يكون من بينها إيران، وبالتالي فهي تسعى لأن يكون لها دور فيما يتم من ترتيبات مستقبلية في غزة. وهذا ما يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول حركة إيران خلال الفترة القادمة.

*د. محمد كمال:

أريد أن أبدأ بأهمية الشراكة المصرية / السُّعُوديَّة ليس على المستوى الثنائي فحسب، ولكن أيضًا على المستوى الإقليمي. أنا أتحدث عن المستوى الإقليمي في الإطار العربي أو في إطار البحر الأحمر.

 في الحقيقة عندما نتحدث عن أي تطوير لأي نطاق إقليمي في العالم بما في ذلك الاتحاد الأوروبي نجد دائما أنه كانت هناك شراكة بين دولتين أو أكثر ومن ذلك الشراكة بين ألمانيا وفرنسا في حالة الاتحاد الأوروبي لذلك أعتقد أنه في إطار النظام الإقليمي العربي أو أي نظام إقليمي مقترح في منطقة البحر الأحمر لابد أنَّ يستند إلى شراكة مصرية / سُّعُوديَّة وقيادة مصرية سُّعُوديَّة مشتركة، هذه هي النقطة الأولى.

النقطة الثانية، هي أنَّ موضوع أمن البحر الأحمر يطرح قضية استراتيجية كبرى وهي عودة الاهتمام مرة أخرى بالبحار. فالفكر الاستراتيجي العالمي ركز لفترة طويلة على الاستحواذ على الأرض، والآن الاهتمام بالبحار، فنجد العديد من دول العالم لديها الآن ما يُسمى باستراتيجية بحرية. ولم يعد الأمر مقصورًا على الدول الكبرى، فهناك قوى إقليمية مثل تركيا وغيرها لديها استراتيجية بحرية.  وهذا يعني أنَّ مصر ودول الخليج عليها التفكير أيضًا في أنَّ يكون هناك استراتيجية بحرية للدول العربية المختلفة وهذه الاستراتيجية لا تقتصر على الجوانب الأمنية ولكن الجوانب التنموية أيضًا.

كما أنه على المستوى العالمي هناك حاجة لبلورة أنظمة إقليمية بحرية، وربما أهمها ما تشهده منطقة المحيط الهادي والهندي، وهناك محاولة طموحة أيضًا في منطقة شرق المتوسط.

ما أريد التأكيد عليه أنَّ الأنظمة البحرية الكبرى وخاصة في منطقة الإندو باسيفيك أو المحيطين الهادي والهندي لا يمكن فصلها عما يحدث في منطقة البحر الأحمر؛ ولا يمكن فصل ما يحدث في المحيطين الهادي والهندي عن المحيط الأطلنطي، والرابط بينهم من الناحية الجغرافية هو البحر الأحمر.

بالتأكيد هناك درجة متزايدة من التنافس والاستقطاب الدولي وخاصة بين أمريكا والصين فيما يتعلق بالبحار، خاصة في بحر الصين الجنوبي، ومع ذلك توجد أيضًا فرصة للتعاون الدولي. وربما أزمة البحر الأحمر جعلت الصين تعيد النظر في بعض تحركاتها الدبلوماسية، ويجري حديث صيني عن الضرر الاقتصادي الذي تتعرض له نتيجة لإعاقة حركة التجارة العالمية، وأعتقد أنَّ هذا أيضًا يُمثّل فرصة للتعاون بين أمريكا والصين في هذه المنطقة.

ولو أضفنا أيضًا منطقة القرن الإفريقي، فحتى قبل هجمات الحوثيين شهدت منطقة القرن الإفريقي عسكرة مع وجود بحري دولي مكثف وقواعد عسكرية. لكن طبعًا التطور الذي بدأنا نشهده في السنوات الأخيرة هو دخول أطراف إقليمية لا تنتمي جغرافيًا إلى منطقة البحر الأحمر أو منطقة القرن الإفريقي وذلك بهدف الحصول على نفوذ في هاتين المنطقتين، وطبعًا إيران هي النموذج الواضح.

الحقيقة تمت الإشارة أيضًا للصلة بين أمن البحر الأحمر والقضية الفلسطينية وما يحدث في غزة. وبالتأكيد لا توجد أسباب منطقية تُساند هذا الربط، ولكن الربط موجود على الأقل على مستوى الإدراك لدى قطاعات كبيرة من الرأي العام العربي، وهذا بالتأكيد يقيد الحركة ويضع عليها. في تقديري يمكن أنَّ يتحول ذلك إلى فرصة من خلال الجهود التي تبذلها مصر والمملكة العربية السُّعُوديَّة للتهدئة والوصول إلى هدنة في غزة والانطلاق منها بعد ذلك إلى حل الدولتين.

  تم التأكيد على أهمية البحر الأحمر لمصر والسُّعُوديَّة في ظل السواحل الطويلة للدولتين على البحر الأحمر، ويُضاف لذلك موضوع قناة السويس بالنسبة لمصر، حيث تأثرت عائدات قناة السويس نتيجة لهجمات الحوثيين. لكن النقطة الأخرى المهمة بالنسبة لمصر وهي مهمة للسُّعُوديَّة أيضًا؛ فهناك توجه في الدولتين نحو البناء والتنمية والإصلاح في الداخل، وبالتالي ما يحدث في البحر الأحمر هو بمثابة destruction حيث يقلل من الاهتمام والتركيز فيما يتعلق بقضايا التنمية وبالتالي يؤثر بالتأكيد على خطط الاستثمار في العديد من المجالات. إذن ما الذي يمكن أنَّ تقوم به مصر والمملكة العربية السُّعُوديَّة. اعتقد مرة أخرى أنه من المهم التحرك بفاعلية لفك الارتباط بين البحر الأحمر والقضية الفلسطينية من خلال الجهود الدبلوماسية المصرية السُّعُوديَّة للتهدئة ووضع القضية الفلسطينية على مسار حل الدولتين.

النقطة الأخرى المهمة هي ضرورة التحرك المشترك وتوحيد الرؤى بين البلدين على المستوى الثنائي. كما تم اقتراحه مثل الدوريات العسكرية المشتركة، وهناك تاريخ من المناورات العسكرية المشتركة التي تمت بين البلدين، أعتقد أنَّ هذا التعاون الثنائي لابد من دعمه، فمن المهم أنَّ تكون هناك رؤى مشتركة وتحرك مشترك في القضايا الأخرى التي هي جزء من منظومة الأمن في البحر الأحمر والقرن الإفريقي وليس فقط مسألة الحوثيين، فالأوضاع في السودان هي غاية في الأهمية وتؤثر على أمن البحر الأحمر، وأيضًا الأوضاع في الصومال، فهناك مساحة لتوحيد الرؤى والتحرك المشترك.

النقطة الأخرى هي أهمية تفعيل الإطار الإقليمي الموجود بالفعل والمرتبط بالدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، فمصر كان لديها أفكار مبكرة فيما يتعلق بهذا الموضوع، والآن هناك منظمة أنشئت بمبادرة سُّعُوديَّة لذا من المهم تفعيل هذا التجمع في الجانب الأمني والجانب التنموي والاقتصادي، ولا يمكن الفصل بين الأمرين. ومن المهم التعامل بحذر مع أي مبادرة قد تورط الدول العربية في الاستقطاب الصيني / الأمريكي المتعلق بالبحار والممرات التجارية. ولكن يمكن الاستفادة من الأزمة الحالية في البحر الأحمر بأن يكون هناك تعاون دولي مشترك تكون الصين أيضًا جزءًا منه مع الولايات المتحدة.

النقطة الأخيرة أعيد تكرار ما ذكره الدكتور عبد العزيز بن صقر والدكتور صالح الخثلان من أهمية الابتعاد بقدر الإمكان عن الأداة العسكرية وفي نفس الوقت أهمية التأكيد على المبادئ الدولية ومبادئ القانون الدولي الخاصة بحرية الملاحة وحرية تدفق التجارة العالمية، وأرحب بفكرة أنَّ يكون هناك دورًا لمراكز الفكر في دول البحر الأحمر في طرح مجموعة من الأفكار والرؤى التي تساند صانع القرار فيما يتعلق بالتحرك في منطقة البحر الأحمر. وشكرًا جزيلًا.

*د. دلال محمود:

سأركز في مداخلتي على الجانب الأمني، والحقيقة أود أنَّ أؤكد أنَّ جماعة الحوثي تُمثّل تهديدًا كبيرًا من خلال الأنشطة التي تُمارسها وعلاقتها بإيران ودورها في تهديد الاستقرار في اليمن ومنطقة القرن الإفريقي. ويتمثل التهديد الأول للحوثيين في أنَّ الأنشطة التي قامت بها جماعة الحوثي من تهديد الملاحة في البحر الأحمر وبالتالي فهناك حاجة للبحث عن آليات جديدة. التهديد الأخطر من وجهة نظري هي أنَّ هناك ما يشبه الاتفاق أو التحالف بين جماعة الحوثي وتنظيم القاعدة الذي يسعى لعودة دوره، وهو ما يعني توسع للأعمال الإرهابية. ومعنى ذلك استخدام إيران من خلال الحوثي لإمكانيات تنظيم القاعدة في أماكن أخرى واستخدام عناصره في القتال، وهذا الكلام ليس محض شائعات، دعونا نوضح أنَّ خليفة "أيمن الظواهري" وهو "سيف العدل" ابنه هو المسؤول عن فرع القاعدة في اليمن، وبعض عناصر القاعدة أنفسهم أعلنوا عن وجود مثل هذا الاتفاق، ونُشرت الكثير من الأخبار عن أنَّ عناصر القاعدة تساعد الحوثي في أماكنهم وفي العمليات التي يقومون بها. وما يهمنا في هذا الشأن سرعة العمل لتحجيم هذا التحدي. ومع تثمين العمل في المجال الدبلوماسي، لكن لابد من التدخلات الأمنية. لذلك من المهم الإشارة إلى ثلاث نقاط، للإطار الإقليمي ومجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وهذا المجلس لديه الأساس القانوني والأساس التنظيمي، لكن هناك تأخير في تفعيل العمل في المجلس، لذا من المهم تحديد المعوقات ومواجهتها بجدية وهو أمر يقع على عاتق الدولتين الأكبر مثلما أشرتم حضراتكم وهما مصر والسُّعُوديَّة.

الأمر الثاني، متعلق بقوة المهام المشتركة القوة 153 والتي لم يتم تفعيلها في مواجهة تهديد جماعة الحوثي، حيث كانت الضربات أمريكية / بريطانية، بينما القوة 153 وتشارك بها كل من مصر والمملكة العربية السُّعُوديَّة والأردن لم تفعل.

وفيما يتعلق بالاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال. أعتقد أنَّ الحل يكون بإسقاط مشروعية دولة أرض الصومال، فهناك بعض الدول التي اعترفت بها دولة، وبالتالي من المهم سحب هذا الاعتراف من خلال التواصل الدبلوماسي مع الدول التي اعترفت بأرض الصومال مما سيؤدي إلى إضعاف مشروعات أرض الصومال وهي في الحقيقة ليست دولة ومن المهم إلغاء أي اتفاق تم إبرامه معها للبحث عن وجود في القرن الإفريقي.

*د. هدى رؤوف:

بحكم تخصصي في الملف الإيراني فأنا أؤكد على كل المداخلات التي تمت وأتفق معها جميعًا. لكن أود أنَّ أؤكد على أنَّ العلاقة بين إيران والحوثيين وبين ما يحدث في غزة هو مرتبط بالسياسة الإقليمية لإيران وطموحات التوسع الإيراني والذي نقلته من دول الصراع في المنطقة إلى مسرح جديد وهو البحر الأحمر، التي تعدّ جزءًا من فكرة الممرات المائية المهمة بالنسبة للسياسة الإيرانية. وما يحدث في البحر الأحمر هو عكس الادعاء المرتبط بدعم غزة أو حماس لكنه مرتبط بثلاثة أهداف إيرانية في تصوري هي: توسيع سياسة إيران البحرية بمعنى أنَّ إيران تريد اتباع سياسة بحرية توسعية في الممرات المائية والبحرية، ووجدت في البحر الأحمر ميدانًا جديدًا يمكنها أنَّ تستعرض فيه أنشطتها، ففي نوفمبر الماضي أصدر المرشد الإيراني توصيات وتعليمات للسلطة التنفيذية والتشريعية بشأن وضع خطة عمل لترقية الخطط الإيرانية البحرية للتوسع في مياه البحار والمحيطات. وهنا وجدت ضالتها في الحوثيين لارتباط الأهداف، سواء كانت الأهداف الحوثية المرتبطة بالانتقال إلى أنَّ تكون فاعلًا مؤثرًا في منطقة البحر الأحمر، ووجدت إيران في ذلك نوع من التأثير والضغط وورقة جديدة من أوراق المساومة.

جزء ثاني من الأهداف الإيرانية يرتبط بالترويج لصناعتها العسكرية، في تقديري مثلما استعرضت إيران قدرات المسيرات الخاصة بها حيث استخدمت في الحرب الروسية ضد أوكرانيا، فهناك الآن طابور من الدول المنتظرة لشراء الدرونز الإيرانية،

وفيما يتعلق بالمصالح الإقليمية، فهناك هدف خفي لإيران يتمثل في التأثير على المصالح الاقتصادية للمملكة العربية السُّعُوديَّة، ونحن نتحدث عن رؤية 2030 والمتعلقة بتنويع الاقتصاد السُّعُوديَّ وتطوير الهيكل الاقتصادي للمملكة وتحقيق نقلة نوعية للاقتصاد والاعتماد على مصادر أخرى للدخل مثل السياحة. إضافة إلى التأثير سلبًا على الاقتصاد المصري من خلال التأثير على قناة السويس وهو ما يطرح تساؤلًا عن الحرص الإيراني على التقارب مع السُّعُوديَّة، وكذلك الحرص الإيراني أيضًا على التقارب مع مصر ورفع مستوى العلاقات الدبلوماسية. فهل تهدف إيران من ذلك إلى أنَّ يتم إدماجها في المشروعات الاقتصادية بالمنطقة، وهل يمكن بهذه الورقة الضغط لتغيير السلوك الإيراني، في الواقع لست متأكدة، ففي ظل العقلية الإيرانية والقائمة على فكرة استعراض القوى فهي تجعل أي محاولات حقيقية لإدماج إيران في مشروعات تنموية بالمنطقة طبعًا أمر صعب نظرًا للطموح الإيراني والفكر المسيطر على النخبة الإيرانية. وفي تصوري إن هذا الأمر يزداد خاصة لو نظرنا إلى ما يدور من كلام عن أن إيران بدأت تتعاون مع السودان في مجال المسيرات، وبالتالي تحاول التواجد ليس فقط من خلال التأثير على أمن البحر الأحمر ولكن في السودان ، وطبعًا القرن الإفريقي.

ومن المهم التركيز على تقييد السلوك الإيراني، لكن من الواضح أنَّ هناك غياب للرغبة الأمريكية في تحقيق ذلك الهدف. فالبحرية الأمريكية أعلنت منذ أسابيع عن حجزها لسفينة تحمل تقنيات عسكرية متجهة إلى الحوثيين وقالت إنها إيرانية، ومع ذلك لم يتم اتخاذ أي إجراء بشأنها. فهناك تأكيد ورسائل متبادلة ما بين الطرفين على عدم الرغبة أو الدافع للانجرار في صدام عسكري مباشر، ومع ذلك فإن إيران لم تؤثر على الحوثيين، ولا الحوثيين أوقفوا هجماتهم، وبالتالي فهناك تساؤل بشأن الدور الأمريكي.

*د. أحمد أمل:

هذا اللقاء فرصة مهمة للتوصل لنتائج مهمة في هذه اللحظة المعقدة والتي فرضتها الهجمات الحوثية في البحر الأحمر في وضع شديد الصعوبة تمر به الجهة الأخرى من البحر الأحمر ممثلة في الضفة الإفريقية الممتدة من مصر شمالًا وحتى جيبوتي ومنها إلى أرض الصومال ثم الصومال في سياق عدد من المتغيرات المهمة التي واكبت تصاعد التوترات الأمنية في البحر الأحمر. أولها وأهمها على الإطلاق ما شهدناه من مذكرة التفاهم الموقعة بين إثيوبيا وأرض الصومال. المشكلة في هذه المذكرة ليست ما تفرضه من تحديات أو تغييرات سريعة على بنية الأمن الإقليمي في المنطقة، ولكن كونها تؤكد نمطًا متكررًا تقوم به إثيوبيا في عهد آبي أحمد من نقل حالة الاستقطاب من الداخل إلى الخارج؛ إثيوبيا تمر بأوضاع داخلية بالغة الصعوبة على المستويين الأمني والسياسي وسبق لها أنَّ نقلت صراعها الداخلي خلال الفترة من 2020-2022 م، إلى دول الجوار، والأمر قابل للتكرار في المشهد الحالي. وربما ما شهدناه من تصاعد التوترات مجددًا في الصومال بين أنصار الوحدة المؤمنين بوحدة الصومال والمدعومين دوليًا وأرض الصومال، والتي رغم تواجد بعض الممثليات الدبلوماسية لها لكنها لا تحظى باعتراف من قبل أي دولة على مستوى العالم. تصدير الصراع الداخلي إلى دول الساحل أمر بالغ الأهمية.

النقطة الأخرى التي واكبت الهجمات الحوثية في البحر الأحمر هي عودة القرصنة انطلاقًا من السواحل الصومالية؛ فمنذ نوفمبر 2023م، وحتى الآن كانت هناك على الأقل أربع هجمات بذات النمط الذي كان سائدًا أعوام 2009، و2010، و2011م، وفي ظل السياق الأمني القائم حاليًا ما نخشاه هو أنَّ يفتح ذلك المجال لتنظيم القاعدة للقيام بنشاط بحري ساحلي.

إن الأوضاع الأمنية في الصومال هشة للغاية، وكافة الجهود التي قُدّمت في العقود الماضية لم تُسفر عن نتائج حاسمة بشأن القضاء على الإرهاب؛ فتنظيم القاعدة وداعش موجودون هناك مع اختلاف القدرات لصالح القاعدة من خلال فرعها هناك ممثلًا في تنظيم الشباب. الوضع القائم حاليًا في القرن الإفريقي يعني أنَّ الأمور مرشحة بالتأكيد لتمدد نشاط حركة الشباب من المناطق الداخلية التي كان نشاطها محصورًا بها لعدة شهور لتتجه نحو السواحل والأماكن الأكثر خطورة.

 المتغير الثالث، يتمثل في اقتصار الحديث عن القرن الإفريقي بالمعنى الضيق وإنما الشاطئ الغربي للبحر الأحمر وتحديدًا ما يجري في السودان وهو أمر بالغ الصعوبة ويطرح أسئلة معقدة في الجوارين العربي والإفريقي. ويمكن الإشارة إلى متغيرين الأول، هو ما يتعلق بالانفتاح السوداني على إيران وما ارتبط به من حديث بشأن مساعدات عسكرية قُدّمت للسودان. والثاني ما يخص تمدد الدعم السريع باتجاه مناطق الوسط والشرق. والأخطر هو ما يجري الآن من محاولة للتمدد باتجاه الشرق خاصة في ولاية القضارف. وفي حال وصلت قوات الدعم السريع إلى المناطق الشرقية والساحل الشرقي السوداني، فهذا الأمر سيفرض بنية أمنية مغايرة في البحر الأحمر ككل.

وسنكون أمام فاعلين من غير الدول في كل من اليمن والسودان يسيطرون سيطرة كاملة على السواحل الممتدة على البحر الأحمر. التعامل مع هذا النوع من الفاعلين الدوليين يفرض تحديات كبيرة. بحيث لا يمكن الحديث عن ترتيبات أمنية أو توافقات مستقرة أو مستدامة مع مثل هذا النوع من الفاعلين من غير الدول. فهؤلاء الفاعلين لديهم منطق مغاير تتحرك استنادًا له وهو منطق بعيد كل البعد عن منطق الدولة الوطنية المستقرة.

الأمر الرابع ما يشهده البحر الأحمر وامتداده الجنوبي من تصاعد كبير في الاستقطاب الدولي، وهنا نتحدث على المستوى العسكري. فنحن نتحدث عن واحدة من المناطق النادرة إن لم تكن الوحيدة في العالم التي يمكن فيها الحديث عن استقطاب عسكري أمريكي صيني. فالقاعدة الصينية الوحيدة خارج حدودها تقع في جيبوتي. ورغم الحديث عن قواعد مستجدة في غرب إفريقيا في أماكن أخرى والتي لا تزال مجرد مناقشات. فإن الأمر القائم هو ما يتعلق بالحضور العسكري الصيني الكبير والمهم والمؤثر في جيبوتي. والأمر لا يقتصر فقط على الحديث عن استقطاب ثنائي بين الولايات المتحدة والصين، وإنما المشهد الحالي فنحن نتكلم على أنَّ منطقة البحر الأحمر وامتدادها الجنوبي بامتداد المناطق غرب المحيط الهندي باعتبارها مجرد امتداد غربي. فمقابل الحضور الصيني الكثيف في جيبوتي، نجد هناك حضور أمريكي وحضور عسكري ياباني، وتعاون مع الهند. نحن هنا أمام معادلة دولية يغلب عليها طابع الاستقطاب والتحرك بأدوات عسكرية وتفرض نفسها على المشهد ويمكن لهذا المتغير أن يقيد أي تحرك دولي فاعل.

وفي ظل حالة الاستقطاب الكبير القائم، ووجود طرف ثالث -روسيا-يحاول البحث عن موضع قدم في هذه المنطقة، من الصعب الحديث عن جهد دولي توافقي متفق عليه من جانب الجميع وفقًا لشروط وتحديد مساحات للتحرك وذلك لمواجهة التحديات الكبيرة التي تشهدها منطقة البحر الأحمر.

لعل هذه المتغيرات الأربعة هي ما تعقد من المشهد الحالي بما تفرضه من تحديات قبالة الشاطئ الغربي وليس الشرقي للبحر الأحمر. جميع الكلمات والمداخلات المهمة أكدت على ضرورة وجود عمل جديد من الناحية الفكرية من ناحية آلياته على الأرض من جانب دول الإقليم ذاتها وفي مقدمتها مصر والسُّعُوديَّة، وذلك من أجل استعادة قدر من الأمن المفقود في هذه المنطقة. وأن تكون تلك الجهود سباقة لأي تدهور من الممكن أن يحدث في هذه المنطقة المهمة. خالص الشكر.

مجلة آراء حول الخليج