array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 199

تركيز "الناتو" على الاتفاقيات الثنائية مع دول الخليج أعاق منجزات المبادرة وحدّّ من التفاعل الجماعي

الخميس، 27 حزيران/يونيو 2024

تولي دول مجلس التعاون الخليجي أهمية كبرى لإرساء واستقرار الأمن في منطقتها، انطلاقًا من إدراكها للعديد من المعطيات والحقائق التي يأتي في مقدمتها ما تنعم به هذه الدول من نهضة اقتصادية لافتة انعكست على ارتفاع مستوى معيشة شعوبها للدرجة التي جعلتها قبلة للمستثمرين الأجانب الذين باتوا يتسابقون على العمل فيها للاستفادة من بنيتها التحتية المتكاملة وتزايد الفرص الاستثمارية الجاذبة، وتفشي الأمن والأمان في ربوعها كنتيجة طبيعية للاستقرار السياسي الذي أتاح المجال للقطاع الخاص للانطلاق والمساهمة الإيجابية في تطور الاقتصاد الوطني.

كذلك فإن دول مجلس التعاون الخليجي تقع في محيط مضطرب وتشهد كثير من دول المنطقة العديد من الاضطرابات الأمنية، وفي مقدمة ذلك القضية الفلسطينية التي تنظر لها دول المنطقة على أنها قضية العرب والمسلمين المركزية التي لا يمكن الوصول لسلام عالمي مستدام إلا بعد وضع الحلول العادلة التي تعيد للشعب الفلسطيني حقوقه المسلوبة في ظل إصرار دولة العدو الإسرائيلي على مواصلة اعتداءاتها السافرة بحق الشعب الأعزل ومصادرة أراضيه وقتل أطفاله وتخريب مؤسساته المدنية.

وللوصول إلى حالة سلام دائم فإن كافة الدول الخليجية تحرص على اتباع سياسات خارجية متوازنة، وتتمسك بسياسة حسن الجوار وعدم التدخل السالب في شؤون بقية الدول، مع الإبقاء على تواصلها الإيجابي مع الدول الأخرى ومد أياديها بالمساعدات الخيرية لكافة الأشقاء والأصدقاء، وهو ما أكسب هذه الدول مكانة مرموقة على المستوى العالمي، وجعلها بمنأى عن أي توترات أمنية.

 

مواجهة الأيديولوجيات السالبة

 

حرصت الدول الخليجية على محاربة الأيديولوجيات الحزبية الضارة التي تجمع ولا تفرق، والتي تمثّل اللبنات الأساسية لحركات العنف والغلو والإرهاب، وتوافقت على حظر جميع الحركات التي تتسبب في ذلك مثل جماعة الإخوان المسلمين التي صنفتها غالبية دول المنطقة على أنها جماعة إرهابية وحظرت أنشطتها وقاومت كافة المحاولات لانتشارها. لذلك فقد استطاعت الدول الخليجية تحقيق نجاحات لافتة في حربها على كيانات التطرف والإرهاب مثل تنظيمي داعش والقاعدة، ووجّهت لها ضربات استباقية ساحقة دفعتها للتواري في جحورها المظلمة.

ورغم كافة هذه الإجراءات والمعالجات، إلا أن الشرق الأوسط يظل منطقة استهداف للعديد من القوى العالمية التي تريد الاستحواذ عليها أو على الأقل ضمها إلى صفوفها، ويبرز في هذ الصدد تزايد التنازع الدولي على شواطئ البحر الأحمر الذي يشكل عصب الحياة للاقتصاد الدولي، حيث يستحوذ على قرابة 40% من التجارة العالمية، لذلك فقد أولت دول الخليج اهتمامًا كبيرًا بتطوير القدرات الذاتية وتعميق الشراكات للحفاظ على الأمن البحري وأمن الممرات المائية، لا سيما منطقة البحر الأحمر عن الصراعات الدولية والتجاذبات السياسية.

مقاربات دفاعية خارجية

إضافة إلى كل هذه الإجراءات الداخلية فقد تبنت بعض دول الخليج مقاربة أخرى على الصعيد الدولي، تقوم على تعزيز التعاون الأمني مع المجتمع الدولي من أجل تحقيق الأمن والاستقرار العالميين والعمل على حل كافة النزاعات عبر الوسائل السلمية، وبما يتوافق مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتتمثل أبرز هذه المحاولات في "مبادرة إسطنبول للتعاون"، التي تنص على التعاون في المجالات العسكرية بين دول الخليج والناتو، والتي تم توقيعها في يونيو 2004م.

وتحظى هذه المبادرة المتميزة بأهمية قصوى، لأنها تمثل لكل الأطراف فرصة ذهبية للانخراط بفعالية في شراكات وحوارات استراتيجية مشتركة، لا سيما وأن الحزب الذي يعد التحالف العسكري الأكبر في العالم ينطلق في تعاونه مع دول منطقة الخليج العربي من نظرة ثابتة وإيمان راسخ بأن أمن دول الخليج شرط أساسي لأمن دول التحالف، ذلك أن استقرار منطقة الشرق الأوسط تمثل مدخلًا رئيسيًا لاستقرار وثبات الاقتصاد العالمي.

 

الترابط والقواسم المشتركة

 

هذه المساعي لا ينبغي النظر إليها على أنها إقرار بالضعف الخليجي أو عدم القدرة على الدفاع عن النفس، فهذه النظرة – إن وجدت – ستكون دليلًا على عدم الفهم والإدراك، فالدول الخليجية ولله الحمد تمتاز بقوة الترابط بين شعوبها، وتعدد القواسم المشتركة التي تجمعها، للدرجة التي جعلتها تبدو وكأنها دولة واحدة، وذلك بسبب حكمة قادتها وشيوخها، والثقافة التي تجمع بين أبنائها، وتركيبتها السكانية المتجانسة، ورغبة حكوماتها في تحقيق التقدم الاقتصادي لشعوبها.

كما أن دول الخليج لم تقف موقف المتفرج في خضم سباق التسلّح الذي تشارك فيه كل الدول، فدول الخليج تمتلك القوات الكافية والأسلحة المتطورة والجيوش التي تم تدريبها على أعلى المستويات، وذلك من واقع مشاركاتها في العديد من المناورات مع أقوى الدول في العالم. هذه الجهود ليست موجّهة بطبيعة الحال نحو الاعتداء على الآخرين، بل تفعيلًا لكافة جوانب العمل المشترك للاستجابة لتحديات الأمن الإقليمي، في ظل ما يشهده محيط الخليج من صراعات وبؤر ملتهبة، وتغليبًا للتفاهم الراسخ بين هذه الشعوب بأن وحدة مواقفها واتفاق كلمتها هي الضامن الأساسي لأمنها القومي جميعًا لأنه وحدة واحدة لا تتجزأ.

صعود القدرات الخليجية

 

لعبت هذه المبادرة طيلة العشرين سنة الماضية دورًا محوريًا في تعزيز الفهم الجماعي للجانبين، مما ساهم بفاعلية في تعزيز وترسيخ وأهمية التعاون بين التحالف ودول المنطقة، وقد كان لها دور فعال في تعزيز القدرات العسكرية الفردية للدول الخليجية وتطويرها.

ولم تكتف دول الخليج بتعزيز دفاعاتها العسكرية فقط، بل امتلكت القدرة الكاملة على تشكيل قوة ردع فاعلة، إضافة إلى مواصلة مسيرتها نحو تحقيق الأمن والرخاء العالميين، استنادًا على رؤية واضحة بأن استمرار التنمية والازدهار والاستقرار يمثل ضمانة حقيقة لاستتباب الأمن، لذلك أصبح لمجلس التعاون صوتاً قوياً على الساحة العالمية وشراكات قوية مع جميع القوى الرئيسية في العالم، مما أتاح لها المساهمة في حل بعض الصراعات الإقليمية والدولية.

 

تعزيز التوجهات السلمية

 

مع أن دول الخليج العربي عرفت على الدوام بجنوحها نحو السلم وعدم الرغبة في استخدام القوة العسكرية في حل الخلافات التي واجهتها بعض دولها في السابق ولا زالت تواجهها في الوقت الحالي، على غرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، ووجود بعض النزاعات الحدودية التي ترغب دول الخليج في حلها عبر الطرق القانونية الدولية، إلا أن تلك القناعات لم تمنعها من تطوير منظوماتها العسكرية والدخول في تحالفات وتوقيع اتفاقيات دفاع عسكرية مع بعض القوى الدولية، وذلك لأن امتلاك القوة العسكرية الكافية يمكن أن يشكل عامل ردع فاعل ضد القوى الإقليمية التي لا زالت لديها مطامع في هذه الدول وتسعى للسيطرة عليها وابتلاع ثرواتها الضخمة التي حباها بها الله تعالى. لذلك فإن امتلاك هذه القوة يخدم قضية السلام والاستقرار الإقليميين والعالميين.

ولا تقتصر بنود مبادرة إسطنبول للتعاون على توفير الحماية لدول الخليج العربي، بل تشمل مجالات متعددة مثل تحليل المشهد الأمني السياسي الإقليمي الراهن، وإقامة مؤتمرات وندوات عن النهج الإقليمي للأمن والدفاع، وقضايا الأمن البحري وأمن الطاقة وتغير المناخ، والأمن السيبراني، ومكافحة الإرهاب، ومواجهة التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، والحد من انتشار الأسلحة، وإجراء التدريبات العسكرية والتعليمية، وطرق إدارة الأزمات، والتعامل مع الكوارث، وتعزيز دور المرأة في تحقيق الأمن والسلام، وغير ذلك من المشاورات الدبلوماسية والفعاليات الفكرية والثقافية.

بؤر النزاع المتعددة

ولأن الحروب لم تعد مقصورة على الجوانب العسكرية فقط، فقد ظهرت أسلحة جديدة غيّرت الشكل التقليدي للصراعات بين الدول وأدخلت إليها لاعبين جدد، مثل الحروب السيبرانية التي تهدف لتعطيل حركة الاقتصاد عبر التسلل الإلكتروني وتهكير المواقع، فالمرافق الحكومية الحسّاسة في كل دول العالم أصبحت عرضة لأخطار الاختراقات الأمنية، وهي مخاطر لا تكاد أي دولة تكون بمنأى عنها بفعل تطور استعمال تقنيات المعلومات والاتصالات.

ولأن العالم يواجه في الوقت الراهن تحديات جمة لم يشهدها في تاريخه، وتتزايد تلك التحديات في منطقة الشرق الأوسط حيث تتواصل فصول أبشع مأساة في العصر الحديث في ظل تواصل الاعتداءات الإسرئيلية على الشعب الفلسطيني في غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي، فقد تزايدت الحاجة لتعزيز هذه المبادرة وتطويرها وتفعيلها، فالأزمة في فلسطين تلقي بظلال سالبة على الأمن العالمي، لا سيما بعد استمرارها ووصول ضحاياها إلى قرابة 40 ألف قتيل من النساء والأطفال والشيوخ، ومئات الجرحى والمعاقين، في ظل صمت دولي مريب.

كما تتفاقم الأزمة السياسية في لبنان والعراق، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار في سوريا والتحديات التي وجدتها جماعة الحوثيين في اليمن وتهديداتها المتواصلة لحركة الملاحة البحرية، وما يشهده السودان من حرب مدمرة، وكل ذلك يتطلب من الجميع زيادة التعاون، وتكثيف التنسيق لمواجهة هذه التحديات الأمنية غير المسبوقة.

 

تواضع المنجزات الفعلية

 

لكن للحقيقة والإنصاف، فإن مبادرة إسطنبول للتعاون، رغم ما سقته من تأكيد للأهمية التي تمثّلها لكافة الأطراف الموقعة عليها، لكنها لم تحقق معظم الأهداف المرجوة منها والتي تتناسب مع التحديات التي يشهدها العالم أجمع ومنطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد، حيث اقتصر نشاطها على الجوانب التدريبية والنظرية فقط، دون وجود أثر حقيقي على أرض الواقع، ولعل ذلك هو السبب الرئيسي في أن معظم الخليجيين لم يسمعوا بها، حتى المثقفين منهم لا يملكون معلومات كافية عن الإنجازات التي حققتها.

ومن أكبر الأسباب التي أعاقت وجود منجزات فعلية للمبادرة هو تركيز حلف الناتو على الاتفاقيات الثنائية مع الدول الخليجية، وهو ما حدّ كثير من قيمة الفعل الجماعي المطلوب، لا سيما وأننا نعيش عصر التكتلات والتحالفات الاقتصادية والعسكرية.

كذلك فإن التقاطعات السياسية التي تتكرر بسبب المواقف المنحازة لدول حلف الناتو المؤيدة لدولة العدوان الإسرائيلي وإمدادها بالأسلحة الفتاكة ضد المدنيين الفلسطينيين العزّل ربما شكّل صعوبة عملية وأوجد حواجز نفسية حالت دون تقوية علاقاتها مع الدول الخليجية والتي هي جزء أصيل من النسيج العربي والإسلامي.

تغير قواعد اللعبة

ولا ننسى بطبيعة الحال أن هناك مراكز قوى عالمية مؤثرة باتت تمتلك صناعات عسكرية متطورة ومتقدمة وأفلحت في إحدث اختراقات تسللت بها إلى الكثير من الدول العربية، مثل روسيا والصين التي تساند بعض المواقف العربية دخل مجلس الأمن. هذه المساندة – حتى وإن كانت شكلية في بعض الأحيان أو تنطلق من مواقف سياسية معينة – إلا أنها تشكّل عنصر ضغط في مواجهة الإصرار الغربي على الوقوف إلى جانب دولة الاحتلال في كل الظروف وإمدادها بأدوات الموت التي تحصد بها أرواح الشباب العربي.

لذلك فإن نجاح "مبادرة إسطنبول للتعاون" يستلزم من جانب حلف الناتو المسارعة إلى إنجاز الكثير من المتطلبات إن أراد لها الاستمرار والبقاء، ومع التسليم بأن الحلف هو القوة العسكرية الأبرز في العالم إلا أنه بطبيعة الحال ليس الوحيد فهناك العديد من اللاعبين المؤثرين الآخرين، وعلى قادته إدراك أنه بمثل ما حققت دول الخليج العربي من مكاسب من هذه المبادرة فإن مكاسبه هو الآخر تبقى الأكبر، لذلك فإن دول الخليج وشعوبها تنتظر تغيير عقلية التعامل والنظر إلى الأمور بشكل مختلف ومن منظور حديث يستصحب الواقع ويراعي مصالح كافة الأطراف.

نحتاج بسرعة إلى تفعيل بنود المبادرة والإسهام بفاعلية في تطوير القدرات العسكرية الخليجية وفق أحدث الأسلحة والتقنيات العسكرية، فهذه التقنيات تشتريها دول الخليج بأموالها ولا تحصل عليها من الدول الغربية عن طريق الهبة أو الإهداء، فسوق السلاح العالمية باتت مفتوحة على مصراعيها لمن يملك الثمن، لذلك لن يكون مقبولًا أن تتحفظ تلك الدول على بيع بعض الأسلحة للدول الراغبة


 

مقالات لنفس الكاتب