array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

محددات السياسة الخارجية التركية الجديدة

الأحد، 01 آب/أغسطس 2010

ثمة إجماع بين المراقبين على تصاعد الدور التركي في المنطقة في الآونة الأخيرة بشكل سريع وقوي، لكن من دون أن يعكس هذا الإجماع، كما هو ملاحظ، فهماً مشتركاً لطبيعة الدور التركي في المنطقة والهدف منه. إذ تتوزع الرؤى العربية في الغالب ما بين (انخراط تركيا بسياسة محاور وانضمامها إلى (محور إيران) في المنطقة)، و(عودة تركيا إلى الشرق على قاعدة العثمانيين الجدد من باب السياسة الإسلامية)، و(تفسير التحرك التركي من باب أنه يأتي بإيعاز خارجي ولذلك فلا بد من التشكيك بنواياه).

الحقيقة أن الاختلاف في تفسير الدور التركي وأهدافه إنما يعود إلى منطلقات الجهة التي ينتمي إليها كل طرف من هذه الأطراف أولاً، والى اجتهاد البعض الآخر بمعطيات ذاتية من دون امتلاك القاعدة المعرفية عن تركيا ثانياً، لكن الأهم برأيي يعود إلى القصور الكبير في عدم العودة إلى (ما يقوله الأتراك أنفسهم عن السياسة الخارجية المستجدة لبلادهم).

ويستطيع المتابع لمسار عمل القيادة التركية منذ استلام حزب العدالة والتنمية الحكم في العام 2002 وإلى اليوم أن يلاحظ أنّ أجندة السياسة الخارجية التركية ووسائل تحقيقها وأدوات تنفيذها كلها أمور معلنة، وقد تمّ تأطيرها في إطار أكاديمي أولاً ومن ثم الترويج لها ووضعها موضع التنفيذ.

ولعل حرص القيادة التركية على جعل كل الأمور المتعلقة بالسياسة الخارجية والهدف من المشروع الإقليمي التركي في المنطقة شفافة وعلنية –على عكس بعض الدول الإقليمية الأخرى- بل الترويج لها في المناسبات الرسمية والعامة وحيثما استطاعت عبر الإعلام أو الندوات أو المؤتمرات أو الكتابات، إنما يعود إلى رغبتها في ألا يساء فهم تحركها أو يفسّر تفسيرات خاطئة في ظل الواقع الإقليمي والدولي المفروز وفي ظل سياسة المحاور التي لا تريد أنقرة الدخول فيها.

وفي هذا الإطار، تحظى مقالات وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو بأهمية كبرى لما تتضمنه من تأكيد على الخطوط العريضة للسياسة الخارجية لبلاده، بالإضافة إلى الكثير من التفاصيل التي توصلنا إلى الاستنتاج بأن تركيا ليست في حلف مع إيران وإنما تريد أن تتلافى وقوع أي مشكل أو حرب، وأنّ أنقرة لا تسعى إلى أن تناصب إسرائيل العداء، وإنما تريد أن تضمن الأمن للجميع من خلال تحقيق السلام في المنطقة، ولذلك فهي لا تريد الانفصال تحديداً عن أمريكا و(الناتو) والاتحاد الأوروبي والغرب وإنما تريد اعتماد سياسة خارجية متعددة الأبعاد تستفيد فيها من كل هذه العلاقات.

ووفقاً لوزير الخارجية التركي، تلعب أنقرة دوراً رئيسياً متزايداً في العالم اليوم في ما يخص تعزيز الأمن والاستقرار الدوليين. وتضمن الديناميات الجديدة للسياسة الخارجية التركية أن تعمل تركيا استناداً إلى رؤية وعزيمة وإلى الثقة التي تتطلبها اللحظة التاريخية.

وتفرض الأوضاع الحالية ضغوطاً على تركيا للقيام بدور إقليمي مهم وهو ما أوجد توترات بين تحالفاتها الاستراتيجية القائمة وبين مسؤولياتها الإقليمية المتنامية. والحقيقة أنّ التحدي المتمثل في القدرة على إدارة هذه العلاقات قد تمّ استشعاره في الأزمات الإقليمية المندلعة مؤخراً في القوقاز والبلقان والشرق الأوسط، وهو ما دفع تركيا إلى إعادة التأكيد على التزامها بإيجاد تناغم وانسجام بين تحالفاتها الاستراتيجية وجيرانها والمناطق المجاورة.

ويشكل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ثوابت أساسية وعناصر رئيسية لاستمرارية السياسة الخارجية التركية، فقد حققت تركيا ضمن هذه التحالفات خلال السبع سنوات الماضية في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية أكثر مما حققته في الـ40 سنة الماضية.وتقوم السياسة الخارجية اليوم على ثلاثة مبادئ منهجية وخمسة مبادئ عملية:

 * في المبادئ المنهجية:

أولاً: امتلاك الرؤية بدلاً من الاعتماد على (ردّة فعل في معالجة أزمة). فتركيا تمتلك رؤية تشمل المنطقة بأسرها، وباستطاعتها استخدام فهمها المميز لمنطقة الشرق الأوسط وقدراتها الدبلوماسية للعمل فعلياً على الأرض، وهو ما انعكس في السياسة المتبعة في لبنان والوساطة بين سوريا وإسرائيل ومحاولة إنجاز مصالحة فلسطينية وفي الجهود المبذولة لمحاولة إشراك المجموعات السنية في الانتخابات البرلمانية عام 2005، وأيضاً في الانخراط الإيجابي بالملف النووي الإيراني وكلها مواضيع أساسية في رؤية تركيا البنّاءة وسياستها الخارجية في المنطقة.

ثانياً: اعتماد السياسة الخارجية على إطار عمل ثابت ومنظم. فرؤية تركيا البناءة في الشرق الأوسط لا تتعارض مع رؤيتها في وسط آسيا أو البلقان أو إفريقيا أو آسيا. والأساس هو جهود نسج علاقات مميزة مع الدول المجاورة مثل اليونان والعراق وسوريا وروسيا.

ثالثاً: اعتماد منحى وأسلوب دبلوماسي جديد يؤدي إلى انتشار القوة الناعمة التركية، ويعطي الأولوية لقدرات تركيا الاقتصادية والمدنية في المجالين الإقليمي والدولي بعيداً عن القدرات العسكرية.

 * في المبادئ العملية:

أولاً: مبدأ الموازنة بين الأمن والديمقراطية. في ضوء هجمات 11 سبتمبر 2001، كان الاتجاه السائد في العالم يركز على الحد من الحريات والحقوق المدنية لصالح الحفاظ على الأمن في الوقت الذي كانت فيه تركيا تتجه إلى تعزيز الحريات من دون أن يؤدي ذلك إلى تعارض مع الحفاظ على الأمن، ولذلك فإن قوة تركيا الناعمة ارتفعت في الوقت الذي تعززت فيه الديمقراطية ونضجت.

ثانياً: مبدأ (صفر مشكلات) تجاه الجيران. لقد نجحت تركيا في السنوات السبع الماضية في تطبيق هذا المبدأ واعتماد مسار أكثر تعاوناً مع الجيران لتعزيز الروابط الاقتصادية مع مختلف البلدان والوصول بمستوى التعاون إلى الحد الأقصى.

فمع حلول منتصف العام 2009، كانت تركيا قد حلّت عدداً كبيراً من المشكلات مع مختلف الجيران وحتى مع أرمينيا حيث تم تحقيق تقدم دبلوماسي كبير وملموس. كما استطاعت تركيا أن تنشئ مجلس تعاون استراتيجياً مع كل من العراق، سوريا، اليونان وروسيا، حيث يتم تداول المواضيع السياسية والاقتصادية والأمنية الأهم مع خطط لإنشاء مجالس مماثلة مع بقية الدول خاصة بعد أن تمّ إلغاء تأشيرة الدخول مع كثير من الدول من بينها سوريا وطاجيكستان وألبانيا ولبنان والأردن وليبيا وروسيا.

ثالثاً: مبدأ (دبلوماسية السلام الوقائية والاستباقية)، الهدف منها اتخاذ إجراءات قبل وقوع أي أزمة أو قبل تفاقم أي أزمة موجودة. فالسياسة التركية تقر مبدأ الأمن للجميع، والحوار السياسي على أعلى مستوى، والانخراط الاقتصادي والترابط والتعايش بين الثقافات المتعددة. والمثال الفعلي على هذه السياسة يكمن في الجهود التركية للوساطة بين سوريا وإسرائيل، وفي محاولات إجراء مصالحة سنيّة- شيعية في العراق، إلى جانب جهود تركيا المبذولة للمصالحة في لبنان وفلسطين وبين صربيا والبوسنة في البلقان وكذلك بين أفغانستان وباكستان و في ما يتعلق بإعادة بناء دارفور والصومال.

رابعاً: مبدأ (السياسة الخارجية متعددة الأبعاد)، وتعني أن علاقات تركيا مع اللاعبين الدوليين المهمّين هي علاقة تكاملية وليست تنافسية. وتظهر هذه السياسة تركيا شريكاً استراتيجياً مع أمريكا من خلال العلاقات الثنائية من خلال (الناتو)، وهي تسعى إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وإلى علاقات حسن جوار مع روسيا وعلاقات تكاملية مع منطقة أوراسيا، ولذلك فالعلاقة الجيدة على سبيل المثال مع روسيا ليست بديلاً عن العلاقة مع أوروبا، ومثلها نموذج الشراكة الاستراتيجية مع أمريكا ليس علاقة موجهة ضد روسيا.

خامساً: مبدأ (الدبلوماسية النشطة)، التي من شأنها أن تعطي تركيا دوراً أكبر في العلاقات الدولية وتتم من خلال الانخراط بالمنظمات والمؤسسات الدولية والتعاطي مع كل المواضيع ذات البعد الإقليمي والدولي المهم. ولذلك تركيا اليوم عضو في مجموعة العشرين وعضو مراقب في الاتحاد الإفريقي، ولديها آلية حوار استراتيجي مع مجلس التعاون الخليجي، وتشارك بفاعلية في جامعة الدول العربية وأطلقت مبادرات لفتح 15 سفارة جديدة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

 متطلبات تطبيق الرؤية

تدرك تركيا في هذا الإطار مسؤولياتها والتوقعات المنتظرة بشأن دورها في تنفيذ سياستها الخارجية بعناية تامة، والتي تتطلب:

* الخطوة الأولى في تطبيق هذه الرؤية على الصعيد الداخلي: تحقيق التكامل في الخطاب الجاري على صعيد السياسة الخارجية مع الخطاب الداخلي لتوحيد المعطيات، لأن حصول أي فجوة أو تناقض أو تباعد بين هذين البعدين سيصعّب مهمة تطبيق سياسة خارجية نشطة وفعالة وناجحة. 

* على صعيد العلاقة مع أمريكا: بفضل طبيعة السياسة الخارجية التركية الديناميكية والمتعددة الأبعاد، فإن العلاقات الثنائية تبنى الآن على أسس أقوى وأمتن وقد وصلت إلى مرحلة تؤكد طبيعة التعاون وتسمح للطرفين بالعمل نحو تحقيق الاستقرار العالمي.

فمصطلح (الشراكة النموذجية) الذي أطلقه الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال أول زيارة خارجية له إلى تركيا يشدد على أهمية تحقيق تعاون عالي المستوى بين تركيا صاحبة الهوية الإقليمية المتعددة والقول الآخذ في الازدياد في التأثير في الشؤون الدولية، وبين الولايات المتحدة التي تربطها علاقات طويلة الأمد مع دول المنطقة، وتتحمل مسؤولية مباشرة عن تحقيق الاستقرار العالمي، بحيث تقود مجموعة من القيم والمبادئ المشتركة هذه العلاقة الثنائية التي تهدف إلى إحلال السلام والأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي لأحزمة الصراع والنزاع المنتشرة في مناطق مختلفة.

* على صعيد العلاقة مع أوروبا، فقد تعززت بشكل ملحوظ خلال عهد حزب العدالة والتنمية، ولم يعد من الممكن الآن النظر إلى الاتحاد الأوروبي وتركيا بمعزل عن بعضهم بعضاً عندما يتم الحديث عن السياسة الخارجية التركيّة. ولا شك في أنّ التكامل مع الاتحاد الأوروبي مفيد لتركيا، لكن هذه العملية لها منافع كبيرة إقليمية وعالمية للاتحاد الأوروبي نفسه.

 أهداف السياسة الخارجية التركية خلال العقد المقبل

تسعى تركيا إلى تحقيق سلسلة من الأهداف خلال العقد المقبل عبر سياستها الخارجية، وتتضمن:

أولاً: إنجاز كافة شروط تحقيق عضوية الاتحاد الأوروبي والانضمام إليه والتحول إلى عضو فاعل ومؤثر بحلول العام 2023م.

ثانياً: مواصلة السعي لتحقيق التكامل الإقليمي عبر تعزيز أشكال التعاون الأمني والاقتصادي الإقليمي في المنطقة.

ثالثاً: السعي للعب دور مؤثر وفعال في حل النزاعات الإقليمية.

رابعاً: المشاركة الفعالة والقوية في مختلف المحافل العالمية.

خامساً: لعب دور حاسم في المؤسسات الدولية والتحول إلى واحد من أقوى عشرة اقتصادات في العالم.

 هذه الأهداف تسعى إلى جعل تركيا دولة قوية ولها احترامها وقادرة على المساهمة الفعلية في المجتمع الدولي. ولإنجاز ذلك، تعمل تركيا على تحقيق التقدّم في مختلف الاتجاهات وعلى مختلف الصعد وفي كل ميدان، وتهتم بكل المسائل المتعلقة بالاستقرار العالمي وتسعى إلى المساهمة فيها. هذا الجهد المتراكم سيجعل من تركيا لاعباً عالمياً في هذا القرن مدفوعة بحسّها وشعورها الكبير بتحمّل المسؤولية التي أسندها إليها تراثها التاريخي والجغرافي الغني والوعي العميق بأهمية الاستقرار والسلم العالميين.

 قضايا الشرق الأوسط في السياسة الخارجية التركية

تقوم علاقات تركيا مع إسرائيل على غرار علاقاتها مع كل البلدان في المنطقة على التفاهم الذي يناسب مصالح الشعب ويساهم في إحلال السلام والازدهار والاستقرار في المنطقة. ويشكّل النزاع العربي - الإسرائيلي المسألة الرئيسية في الشرق الأوسط، ولا شك في أن حلّ هذا النزاع هو المفتاح لتطبيع العلاقات الإقليمية الداخلية وفتح آفاق جديدة للتعاون والتنمية الإقليمية الكاملة، حيث تدعم تركيا بشدة حلّ الدولتين الذي يؤدي إلى إرساء دولة فلسطينية مستقلة وسيادية وقابلة للعيش مع القدس الشرقية عاصمة لها بغية العيش بسلام وأمان مع إسرائيل.

ومن المؤكد أن العائق الأساسي الذي يقف في وجه استئناف محادثات السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية هو المستوطنات اليهودية، وإذا ما أراد الجميع إعادة إحياء عملية السلام، فيجب:

1- إيقاف أنشطة الاستيطان ورفع القيود المفروضة عن تحرّك الفلسطينيين ودخولهم إلى أراضيهم.

2- التوقف عن طرد الفلسطينيين من منازلهم والاستيلاء على أراضيهم في القدس الشرقية.

3- التخلي عن الممارسات التي من شأنها تغيير الديموغرافيا ووضعية المدينة المقدسة بالنسبة إلى الديانات السماوية الثلاث.

وتُعتبر الخطوات الإيجابية ضرورة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة أيضاً، فلا يمكن لأي عضو مسؤول في المجتمع الدولي، في معزل عن تركيا، أن يغضّ نظره عن الوضع الإنساني السيئ في قطاع غزة. كما يجب في أسرع وقت ممكن دمل جراح المأساة الناتجة عن الأزمة في غزة. إذ يُعتبر الوضع المتردي في القطاع مسؤولية المجتمع الدولي، ومن المرجح أن يؤدي غياب التدخل البنّاء في هذه المشكلة إلى مشكلات عدم ثقة جدية حيال المعايير والمؤسسات في النظام الدولي.

كما يجب تأمين تقدّم الوضع في غزة بقدر حاجتنا إلى إعادة إطلاق عملية السلام في شكل طارئ. وتدرك تركيا أن إعادة إحياء عملية السلام في كل مساراتها هي المقاربة الأفضل. لقد قامت تركيا بوساطة معروفة بين إسرائيل وسوريا في الماضي وهي مستعدة للاستمرار في ذلك طالما أن الجانبين يطلبانها. وثمة ضرورة لإحراز تقدّم فوري على صعيد الخلافات الأخرى في المنطقة، ومن بينها غياب الوحدة بين الأفرقاء الفلسطينيين. وتتطلع تركيا إلى التقدم في هذه المسألة التي تعتبر أساسية بالنسبة إلى قيام دولة فلسطينية ولإنجاح عملية السلام أيضاً.

وفيما نقترب أكثر من العقد الثاني في القرن الحادي والعشرين، يبقى تحقيق الاستقرار في العراق وفي أفغانستان مهمّة هائلة يجب على المجتمع الدولي الاضطلاع بها.

فضلاً عن ذلك، لا تزال الأزمة المحتملة التي قد تنتج عن البرنامج النووي الإيراني تلوح في الأفق. فكشفت التجربة الأخيرة المتعلقة بهذه المشكلات أن سياسات الإكراه والعزل تؤدي إلى نتائج عكسية. وبالتالي، نحتاج هذه المرة إلى التمعّن جيداً بميّزات الالتزام البنّاء والشمولية والدبلوماسية الحذرة التي تأخذ في الاعتبار كلّ الأبعاد المؤدية إلى انعدام التقدم في هذه المشكلات.

ويكمن هدف تركيا الأساسي في تحسين العلاقات مع كل الدول والتأكد من إحلال السلام والاستقرار في المنطقة وخارجها والعيش إلى جانب دول مستقرة مما يسمح لتركيا وبلدان المنطقة بالازدهار بسلام.

مقالات لنفس الكاتب